رئيس التحرير: هيثم يحيى محمد
تعيش سوريا مرحلة هي الأكثر حساسية في تاريخها الحديث بعد سقوط النظام السابق، إذ لم يعد التحدي يقتصر على إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل يمتد إلى إعادة بناء الإنسان، والثقة، ومؤسسات الدولة، والعلاقة بين السلطة والمجتمع. وهذه المهمة أكثر تعقيدًا من إعادة إعمار الحجر، لأنها تتعلق بإعادة تشكيل العقد الاجتماعي الذي يحكم حياة السوريين جميعًا.
لقد خلّفت السنوات الماضية جراحًا عميقة على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، وأنتجت انقسامات حادة وفقدانًا واسعًا للثقة بين مكونات المجتمع، وبين المواطنين ومؤسسات الدولة. لذلك فإن نجاح المرحلة الانتقالية لن يقاس فقط بإدارة السلطة، وإنما بقدرتها على بناء دولة يشعر جميع السوريين أنها وطنهم المشترك.
وفي هذا السياق، يبرز الجدل حول الدعوات إلى تجريم “الأسدية” استنادًا إلى المادة (49) من الإعلان الدستوري. وهي قضية تستحق نقاشًا هادئًا ومسؤولًا، لأن الغاية من أي نص قانوني في الدولة الديمقراطية ليست الانتقام، وإنما حماية المجتمع من عودة الاستبداد، وترسيخ مبادئ الحرية وسيادة القانون.
فالفرق كبير بين تجريم الممارسات التي قامت على القمع وانتهاك حقوق الإنسان والفساد، وبين تحميل المسؤولية الجماعية لكل من عاش في ظل النظام السابق أو اضطر للتعامل مع مؤسساته. العدالة لا تقوم على المسؤولية الجماعية، وإنما على المحاسبة الفردية وفق القضاء المستقل والإجراءات القانونية العادلة. وهذا هو المبدأ الذي ينسجم مع دولة القانون ويطمئن المواطنين جميعًا.
إن بناء سوريا الجديدة يحتاج إلى مشروع وطني جامع يقوم على عدة مسارات متوازية.
أولًا، في المجال السياسي، ينبغي ترسيخ دولة المؤسسات، واستقلال القضاء، واحترام الحقوق والحريات العامة، وضمان المشاركة السياسية لجميع المواطنين الذين يلتزمون بالدستور والقانون ونبذ العنف. كما أن توسيع الحوار الوطني الحقيقي مع مختلف القوى المجتمعية يساهم في إنتاج حلول أكثر استقرارًا وقبولًا.
ثانيًا، في المجال القانوني، تبرز أهمية تطبيق العدالة الانتقالية بصورة مهنية ومتوازنة، بحيث تتحقق المحاسبة عن الجرائم والانتهاكات، إلى جانب جبر الضرر وتعويض الضحايا وكشف الحقيقة، دون أن تتحول العدالة إلى وسيلة للإقصاء السياسي أو تصفية الحسابات.
ثالثًا، في المجال الاقتصادي، لا يمكن تحقيق الاستقرار السياسي دون تحسين الظروف المعيشية للمواطنين. فالأولوية يجب أن تكون لضبط الأسعار، وتحفيز الاستثمار، وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، ومكافحة الفساد، وخلق فرص عمل للشباب، وإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية.
رابعًا، في المجال الاجتماعي، تحتاج سوريا إلى مشروع واسع للمصالحة المجتمعية يعيد الثقة بين أبناء الوطن الواحد، ويواجه خطاب الكراهية والتحريض، ويعزز ثقافة المواطنة التي تجعل الانتماء إلى الدولة فوق كل الانتماءات الأخرى.
أما الإعلام، فيتحمل مسؤولية وطنية كبيرة في هذه المرحلة. فالإعلام الذي يبني الدولة هو الإعلام الذي يقدم الحقيقة، ويعزز الحوار، ويرفض خطاب التخوين والتعميم، ويشجع النقد المسؤول، ويمنح مساحة لجميع الأصوات الوطنية ضمن إطار احترام القانون ووحدة البلاد.
وكذلك يقع على عاتق المؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية دور محوري في ترسيخ قيم التسامح، واحترام التنوع، وقبول الاختلاف، ونبذ الانتقام، وتعزيز ثقافة الحقوق والواجبات. فإعادة بناء الوعي لا تقل أهمية عن إعادة بناء المؤسسات.
أما منظمات المجتمع المدني، والنقابات، والجامعات، والقطاع الخاص، فيمكنها أن تكون شريكًا حقيقيًا في التنمية، وفي نشر ثقافة الحوار والعمل التطوعي، وتعزيز الرقابة المجتمعية على الأداء العام، بما يسهم في ترسيخ الثقة بين المجتمع والدولة.
وفي المقابل، فإن السلطة القائمة مطالبة بإرسال رسائل عملية، لا تقتصر على الخطاب السياسي، تؤكد أن الدولة الجديدة تقوم على المساواة أمام القانون، وأنها لا تميز بين المواطنين على أساس الانتماء السياسي السابق أو الخلفية الاجتماعية أو الطائفية أو القومية، وأن معيار العلاقة مع الدولة هو احترام القانون والالتزام بالسلم الأهلي.
كما أن المجتمع الدولي، الذي أعلن دعمه لمسار الانتقال في سوريا، يستطيع أن يسهم بصورة إيجابية عبر دعم مشاريع التعافي الاقتصادي، وإعادة الإعمار، وبناء المؤسسات، وتقديم الخبرات في مجالات العدالة الانتقالية والإصلاح الإداري، بما يحفظ سيادة سوريا ويعزز استقرارها.
إن السوريين، بعد سنوات طويلة من الألم، يتطلعون إلى دولة لا يخاف فيها المواطن من السلطة، ولا تخاف السلطة من مواطنيها. دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والمؤسسات أقوى من الأفراد، والمواطنة أساس الحقوق والواجبات.
إن سوريا الجديدة لن تبنى بالثأر، كما أنها لن تبنى بالنسيان. في تاريخ سوريا بل تبنى بالعدالة، والحقيقة، والمصالحة، والتنمية، واحترام كرامة الإنسان. وعندما يشعر كل سوري أن مستقبله مرتبط بنجاح الدولة لا بالانتماءات الضيقة، عندها فقط يمكن القول إن الوطن بدأ يتعافى، وإن صفحة جديدة قد فُتحت في تاريخ سوريا
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

