آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » حين غنّت حجارة صافيتا: حلمٌ وحنين… صوتُ مدينةٍ تعلّمت أن تهزم الحرب بالغناء

حين غنّت حجارة صافيتا: حلمٌ وحنين… صوتُ مدينةٍ تعلّمت أن تهزم الحرب بالغناء

أسيمة حسن

 

 

 

 

لو كان للحجارة صوت، لغنّت..ولو استطاع برج صافيتا أن يروي ما اختزنته ذاكرته عبر القرون، لاختار الموسيقى لغةً يحكي بها. لكن البرج لم يحتج إلى الكلام، فقد تكفّل أبناء المدينة بذلك. خرجت الحجارة الصامتة من سكونها، وارتدت أصواتًا بشرية اسمها كورال حلم وحنين، لتقول للعالم إن المدن لا تُعرَف بأسوارها وحدها، بل بما تنشده من جمال.

حلم وحنين ليس مجرد كورال، بل أمنية وُلدت من رحم صافيتا لتقول للعالم: نحن هنا… وسوريا هنا. ومهما أثقلتها الحروب، فإن هذه الأرض تعرف كيف تنهض من تحت الرماد، وتعيد كتابة الحياة بالنغم بدل الرصاص، وبالأغنية بدل الصمت.

لقد أثبت التاريخ أن الحروب تهدم الحجر، لكنها لا تهزم الإنسان ما دام يحمل في داخله أغنية. وما أحوج سوريا اليوم إلى إعادة إعمار الروح قبل الحجر؛ فالفن ليس ترفًا، بل أحد أعمق وسائل الشفاء. فالموسيقى تداوي الذاكرة، وتعيد للإنسان توازنه، وتزرع الأمل حيث ظن الجميع أن لا شيء سينبت.

من هنا، لم يكن وجود كورال حلم وحنين نشاطًا فنيًا فحسب، بل كان فعلًا من أفعال المقاومة الحضارية.

ولم يكن هذا الفعل وليد المصادفة. فمنذ انطلاقته عام 2008، بوصفه أول كورال يُؤسَّس في محافظة طرطوس، اختار أن يبني مشروعه على أسس أكاديمية راسخة، معتمدًا الغناء متعدد الأصوات، والتوزيع الموسيقي، والهارموني، في وقت كانت فيه الحركة الفنية في المحافظة لا تزال محدودة وخجولة. ولم يكتفِ بأن يكون تجربة ناجحة، بل أسهم في خلق حراك موسيقي حقيقي، وفتح الباب أمام أجيال جديدة لتكتشف أن الفن رسالة، وأن الغناء الجماعي مدرسة في الانضباط والذائقة والجمال.

وبينما كان العالم منشغلًا بالحرب، كان هؤلاء الأطفال والشباب يتعلمون الهارموني. وسط الضجيج، كانوا يبحثون عن النغمة الصحيحة، ويثبتون أن الأصوات المختلفة لا تتصارع، بل تصنع تناغمًا. وهكذا تحولت الموسيقى إلى درس في قبول الآخر، ورسالة تحتاج إليها كل المجتمعات الخارجة من الحرب.

وليس غريبًا أن تولد هذه التجربة في صافيتا؛ المدينة التي تحفظ التاريخ في حجارتها، وتزرعه في أبنائها. فمع كل أغنية يقدمها الكورال، يبدو وكأن بيوت المدينة القديمة تستعيد نبضها، وكأن الريح تحمل أصوات الأجداد، وكأن برج صافيتا نفسه يرفع يديه قائدًا للكورال، مرددًا: “ما زلنا هنا… وما زال في هذه الأرض ما يستحق الغناء.”

ومن هذه المدينة الصغيرة، انطلقت أصوات الكورال إلى مختلف المحافظات السورية، فغنّى في طرطوس وحمص وحلب ودمشق، واعتلى خشبة دار الأوبرا السورية، حاملًا معه صورة صافيتا كما يعرفها أبناؤها؛ مدينةً تكتب تاريخها بالفن كما كتبته بالحجر. وعلى امتداد سنواته، لم يكتفِ بإحياء عشرات الحفلات، بل بنى أرشيفًا غنيًا من الأعمال الكورالية، ونظّم مهرجانات موسيقية، واحتضن مبادرات إنسانية وثقافية، حتى غدا أحد أبرز المشاريع الموسيقية الأهلية في سوريا.

لكن هذه الرسالة الجميلة تستحق أكثر من التصفيق؛ إنها تستحق الدعم. فالمؤسف أن كثيرًا من المبادرات الفنية في سوريا ما تزال تعتمد على إمكانات محدودة. ولعل أكبر دليل على ذلك أن الكورال تلقّى، عبر السنوات، دعوات للمشاركة في مهرجانات عالمية وتمثيل سوريا في محافل دولية، إلا أن ضيق الإمكانات المادية حال دون تلبية كثير منها. وكم هو مؤلم أن تمتلك البلاد مشروعًا فنيًا قادرًا على تقديم صورتها الحضارية إلى العالم، ثم يبقى أسيرًا لعائق مالي كان يمكن تجاوزه لو وُجدت رؤية حقيقية تؤمن بأن الثقافة ليست بندًا هامشيًا في الموازنات، بل ركيزة أساسية من ركائز بناء الإنسان.

نعم، ما زال الفن يُعامل، في كثير من الأحيان، وكأنه رفاهية، بينما الحقيقة أن تقدم الأمم لا يُقاس بالاقتصاد وحده، بل أيضًا بعدد مسارحها، وفرقها الموسيقية، وأطفالها الذين يكبرون وهم يغنون، بدلًا من أن يكبروا على الخوف.

إن دعم كورال حلم وحنين، وكل المبادرات الفنية المشابهة، ليس دعمًا لفرقة غنائية فحسب، بل هو استثمار في الإنسان، وفي ذاكرة الوطن، وفي مستقبله. فكل طفل يتعلم الغناء، يتعلم الإصغاء، وكل عمل فني جميل هو انتصار جديد للحياة على الخراب.

وهكذا يبقى كورال حلم وحنين أكثر من فرقة موسيقية؛ إنه صوت مدينة، ورسالة وطن، ودليل حيّ على أن سوريا، مهما احترقت، تعرف دائمًا كيف تنهض من جديد، حاملةً في قلبها أغنية، وفي وجدانها إيمانًا لا ينطفئ بأن الفن هو الوجه الأجمل للحياة

 

 

 

 

 

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزارة الثقافة تطلق في طرطوس لقاءات تشاورية لرسم ملامح المرحلة الثقافية المقبلة… حوار شفاف ونقد بنّاء ومقترحات لتطوير المشهد الثقافي

طرطوس – أخبار سوريا الوطن       أطلقت وزارة الثقافة، ممثلةً بمديرية العلاقات الثقافية، صباح الأحد، في المركز الثقافي العربي بمدينة طرطوس، أولى اللقاءات ...