حوار: علي نفنوف
ليست مهمة رسام الكاريكاتير أن يضحك الناس بقدر ما هي أن يوقظ فيهم سؤالاً مؤجلاً، أو يضع إصبعه على جرحٍ اعتاد الجميع المرور بجانبه. فالكاريكاتير، في جوهره، ليس رسماً ساخراً بقدر ما هو موقف فكري، ولغة بصرية تختصر ما تعجز عنه المقالات والخطب، وتقول بالرمز ما يصعب قوله بالكلمات.
الفنان السوري محمد العلي واحد من أولئك الذين اختاروا أن يجعلوا من الخطوط أداةً للتفكير، ومن الصورة مساحةً للحوار مع الإنسان. لم يأتِ إلى الكاريكاتير مهنةً، بل ذهب إليه بوصفه رؤيةً للحياة، فامتزجت في تجربته حساسية الفنان بوعي الباحث، مستفيداً من دراسته لعلم الآثار، التي منحته قدرةً خاصة على قراءة الرموز واكتشاف العوالم الخفية في المشهد الإنساني.
في هذا الحوار، لا نتحدث عن الرسم على أنه تقنية، بل نتحدث عن الفن باعتباره موقفاً أخلاقياً، وعن الكاريكاتير باعتباره ذاكرةً بصرية، وسؤالاً مفتوحاً في زمنٍ يزداد فيه الضجيج، وتقل فيه مساحة التأمل.
• من هو محمد العلي بعيداً عن التعريف المهني، وكيف بدأت رحلتك مع الرسم حتى استقر اختيارك على الكاريكاتير؟
:: محمد العلي هو إنسان يؤمن بأن الفن ليس مهنة، بل أسلوب حياة وطريقة لفهم الإنسان والعالم. منذ طفولتي كنت أرى الأشياء بخطوطها وإيقاعاتها قبل أن أراها بالكلمات. لم أتخرج في كلية للفنون، وإنما صنعت تجربتي بالشغف والممارسة والانضباط اليومي. ومع مرور الزمن اكتشفت أن الكاريكاتير هو اللغة الأقرب إلى روحي، لأنه يمنحني القدرة على قول الكثير بأقل عدد من الخطوط، ويحوّل الفكرة إلى رسالة تصل مباشرة إلى عقل المتلقي وقلبه.
• درست علم الآثار، فهل انعكس هذا التكوين المعرفي على رؤيتك الفنية وطريقة قراءتك للعالم؟
:: بلا شك. فقد علمتني دراسة الآثار أن الحضارات لا تُقرأ من واجهاتها، وإنما من آثارها ورموزها وتفاصيلها الصغيرة. هذه الرؤية رافقتني في تجربتي الفنية، فأصبحت أبحث دائماً عن المعنى الكامن خلف المشهد، وأتعامل مع اللوحة على أنها وثيقة ثقافية وإنسانية، وليست مجرد عمل بصري عابر.
• بعد سنوات من التجربة، كيف تصف مشروعك الفني اليوم، وما الفكرة التي تسعى إلى ترسيخها في أعمالك؟
:: أراه مشروعاً مستمراً للدفاع عن الإنسان وقيمه، وإيماناً بأن الفن يستطيع أن يكون ضميراً حياً للمجتمع. أحاول أن تكون كل لوحة فكرةً تعيش أطول من لحظة مشاهدتها، وأن يخرج المتلقي منها وهو يحمل سؤالاً جديداً أو زاوية مختلفة لرؤية العالم.
• برأيك، هل مهمة الفن أن يعكس الواقع كما هو، أم أن يعيد تشكيله ويفتح أفقاً جديداً للتفكير؟
:: الفن لا يكتفي بعكس الواقع، فهذه وظيفة المرآة. أما الفن الحقيقي فيعيد قراءة الواقع، ويكشف ما هو مستتر فيه، ويفتح أمام الإنسان نوافذ جديدة للتأمل والتفكير. وعندما يغيّر الفن طريقة رؤيتنا للعالم، يكون قد أدى رسالته الحقيقية.
• إلى أي مدى يتحمل الفنان مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان والمجتمع، خصوصاً في أزمنة الأزمات؟
:: الفنان يمتلك تأثيراً، وكل تأثير يحمل معه مسؤولية. لذلك لا أؤمن بأن الفن ينبغي أن يكون محايداً أمام الألم أو الظلم، لكن مسؤوليته لا تتمثل في التحريض، وإنما في الدفاع عن الحقيقة والكرامة الإنسانية، وأن يبقى صوته حراً ونزيهاً.
• في عصر الصورة السريعة، هل ما زالت اللوحة قادرة على إحداث أثر عميق في وعي المتلقي؟
:: بالتأكيد. هناك فرق بين صورة تُستهلك خلال ثوانٍ، ولوحة تدخل في حوار مع المتلقي وتبقى في ذاكرته. قد تتغير وسائل العرض، لكن الفكرة الصادقة لا تزال قادرة على إيقاف الإنسان وسط هذا الضجيج.
• هل تعتقد أن الفن يستطيع حفظ ذاكرة الشعوب ومقاومة النسيان أكثر من وسائل التوثيق الأخرى؟
:: في كثير من الأحيان، نعم. فالوثائق تحفظ الحدث، بينما يحفظ الفن شعور الإنسان تجاه الحدث. ولهذا تبقى بعض الأعمال خالدة، لأنها لا تخبرنا بما جرى فحسب، بل تجعلنا نعيش الإحساس الذي عاشه الناس في تلك اللحظة.
• يعتمد الكاريكاتير على الاختزال والرمز، فكيف تتحول قضية معقدة إلى فكرة بصرية بسيطة وعميقة في آنٍ واحد؟
:: أبدأ بفهم القضية قبل التفكير في رسمها. وعندما أصل إلى جوهر الفكرة يصبح اختزالها ممكناً. أصعب ما في الكاريكاتير ليس الرسم، بل حذف كل ما هو زائد حتى تبقى الفكرة وحدها تتكلم.
• كثير من أعمالك تلامس قضايا حساسة من خلال لغة مواربة، هل ترى أن الرمز أكثر تأثيراً من المواجهة المباشرة؟
:: الرمز لا يضعف الرسالة، بل يمنحها عمقاً واستمرارية. أحياناً تكون الفكرة التي يكتشفها المتلقي بنفسه أكثر تأثيراً من الفكرة التي تُقال له بصورة مباشرة، لأن المشاركة في اكتشاف المعنى تجعل الرسالة أكثر رسوخاً في الذاكرة.
• أين تنتهي حرية رسام الكاريكاتير، وأين تبدأ مسؤوليته تجاه المتلقي والقضية التي يعالجها؟
:: حرية الفنان تنتهي عندما تتحول إلى إساءة للكرامة الإنسانية أو إلى تشويه للحقيقة. الجرأة الحقيقية ليست في كسر الحدود، وإنما في قول الحقيقة بحكمة، وبوعي، وباحترام عميق للإنسان.
• هل يمكن للكاريكاتير أن يقول ما تعجز عنه المقالات والخطب، وما الذي يمنح الصورة هذه القوة؟
:: بكل تأكيد. قد تحتاج المقالة إلى صفحات لتفسير فكرة واحدة، بينما يستطيع كاريكاتير ناجح أن يختصرها في نظرة واحدة. فالصورة تخاطب العقل والعاطفة في اللحظة نفسها، ولهذا يبقى أثرها في الذاكرة زمناً أطول من الكلمات.
• لو طُلب منك أن تختصر فلسفتك في الكاريكاتير بجملة واحدة، فماذا تقول؟
:: الكاريكاتير ليس رسماً ساخراً بل حقيقةٌ ترتدي ثوب الرمز، ليبقى أثرها أطول من ضجيج الواقعية







(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

