آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » للبيوت رائحة لا تموت..هنا كان الحب يسكن

للبيوت رائحة لا تموت..هنا كان الحب يسكن

 

أسيمة حسن

 

ليست الذاكرة دائماً صورةً نراها، ولا صوتاً نسمعه. أحياناً، تكون رائحةً عابرةً تكفي لتفتح أبواب العمر كلها دفعةً واحدة. فالرائحة لا تمرّ على الأنف فقط، بل تعبر إلى القلب مباشرة، حيث تختبئ السنوات التي ظننا أنها مضت.

 

كانت رائحة الخبز صباحاً أكثر من رغيفٍ يخرج من التنور. كانت إعلاناً يومياً أن البيت بخير، وأن الأم استيقظت قبل الجميع لتمنح النهار معنى. كانت تقول، دون كلمات، إن الحياة ما زالت تسير كما ينبغي، وإن الدفء يسكن الجدران. لم يكن الأطفال يفهمون معنى الأمان، لكنهم كانوا يشمّونه في رائحة الخبز الساخن، ويأكلونه مع أول لقمة.

 

ثم تأتي أول رائحةٍ للمطر… تلك التي لا تحتاج إلى تعريف. ما إن تلامس التراب حتى يعود الإنسان طفلاً، مهما أثقلته السنوات. يعود يركض في الأزقة، يصنع من الماء بحاراً صغيرة، ويؤمن أن السماء جاءت لتغسل العالم كله. للمطر قدرةٌ غريبةٌ على اختصار الزمن؛ فهو لا يروي الأرض فقط، بل يروي ما جفّ في الذاكرة من براءة.

 

أما رائحة الكتب القديمة، فهي ليست رائحة ورق، بل رائحة أحلامٍ مؤجلة. تحمل بين صفحاتها أصابعَ من قرأوا قبلنا، وأمنياتهم، وخطوط أقلامهم، وأسرار الليالي الطويلة. كانت تقول لنا إن لكل حلمٍ بداية، وإن المعرفة لا تولد فجأة، بل تنمو ورقةً بعد ورقة، وسهراً بعد سهر. لذلك، حين نشم كتاباً قديماً، لا نقرأ الماضي فحسب، بل نقرأ النسخة الأولى من أنفسنا.

 

وفي البيوت العربية، كانت رائحة القهوة لغةً لا تحتاج إلى ترجمة. ما إن تفوح حتى يعرف الصغار أن الكبار اجتمعوا للحديث عن الحياة. كانت فناجين القهوة شاهدةً على قراراتٍ مصيرية، وعلى مصالحات، وعلى ضحكات، وعلى أحزانٍ حاول أصحابها إخفاءها خلف ابتسامةٍ هادئة. كنا نراقب الأحاديث من بعيد، دون أن نفهمها، لكننا كنا ندرك أن للقهوة هيبة، وأن الحياة تبدأ بعد أول رشفة.

 

ومع مرور العمر، نكتشف أن الأشياء لم تكن عظيمةً بذاتها، بل بما تركته في أرواحنا. فالخبز لم يكن مجرد طعام، والمطر لم يكن مجرد ماء، والكتب لم تكن أوراقاً، والقهوة لم تكن شراباً. كانت جميعها شيفراتٍ سريةً تحفظ ملامح من أحببناهم، وأياماً لن تعود.

 

لهذا، حين نشتاق إلى بيتٍ قديم، لا نشتاق إلى جدرانه، ولا إلى نوافذه، ولا إلى أثاثه الذي تغيّر أو اندثر. إنما نشتاق إلى تلك الرائحة التي كانت تسكنه؛ رائحة أمٍّ كانت تملأ المكان حناناً، أو أبٍ عاد من عمله حاملاً تعب النهار، أو جدّةٍ كانت تضع الخبز على المائدة قبل أن تنادي أسماءنا.

 

بعض البيوت لا تُهدم حين تسقط جدرانها، بل حين تختفي رائحتها. لأن البيوت الحقيقية لا تُبنى بالإسمنت والحجر، وإنما تُبنى بما يختزن فيها من دفءٍ إنساني، ومن تفاصيل صغيرة لم نكن نمنحها اهتماماً وهي تحدث، ثم نكتشف بعد سنوات أنها كانت أجمل ما في العمر.

 

وربما لهذا السبب، لا يزال الإنسان، كلما صادفته رائحةٌ تشبه طفولته، يبتسم دون أن يعرف لماذا… فالرائحة هي اللغة الوحيدة التي تستطيع أن تعيد إلينا أشخاصاً غابوا، وأماكن اندثرت، وأياماً لم يعد منها سوى أثرٍ خفيفٍ يسكن القلب.

 

وبعض البيوت… لا نشتاق لشكلها،بل للرائحة التي كانت تقول لنا، كل يوم: هنا كان الحب يسكن

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القروض لا تساعد على التنمية

    بقلم: علي عبود   كشف تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن الفساد يُعدّ من أبرز العوائق أمام النمو الاقتصادي ...