آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » السعودية بين هرمز وباب المندب… هل يطوي الشرق الأوسط صفحة نظامه القديم؟

السعودية بين هرمز وباب المندب… هل يطوي الشرق الأوسط صفحة نظامه القديم؟

 

د. سلمان ريا

 

ليست الحروب الكبرى مجرد مواجهاتٍ عسكرية تُقاس بعدد الصواريخ أو بحجم الدمار، بل هي لحظاتٌ تاريخية تُعيد تشكيل موازين القوى، وتُسقط المسلَّمات التي استقرت لعقود. ومن هذا المنظور، تبدو المواجهة الأميركية – الإيرانية الجارية أبعد من كونها صراعاً بين دولتين؛ فهي تعكس أزمة نظامٍ إقليمي كامل، بدأ يتصدع تحت وطأة تحولاتٍ دولية وإقليمية متسارعة.

 

فمنذ نهاية حرب الخليج عام 1991، قام أمن الخليج على معادلةٍ واضحة: مظلةٌ عسكرية أميركية تضمن أمن الممرات الاستراتيجية، في مقابل استقرار تدفق الطاقة إلى العالم. وقد وفرت هذه المعادلة، بدرجاتٍ متفاوتة، إطاراً للاستقرار طوال أكثر من ثلاثة عقود. إلا أن تطورات الأشهر الأخيرة أظهرت أن هذا النموذج يواجه اختباراً غير مسبوق، بعدما أصبحت القواعد العسكرية نفسها عرضةً للاستهداف، وتحولت الممرات البحرية إلى ساحات اشتباك، وأصبحت كلفة الصراع تقع على عاتق حلفاء واشنطن بقدر ما تقع على عاتق خصومها.

 

في قلب هذا المشهد، تقف المملكة العربية السعودية، التي تجد نفسها أمام أكثر اختبارٍ استراتيجي تعقيداً منذ عقود. فبعد سنواتٍ من السعي إلى تهدئة التوتر مع إيران، وإنهاء الحرب في اليمن، وتوجيه موارد الدولة نحو مشروعٍ اقتصادي وتنموي طموح، عادت الجغرافيا السياسية لتفرض أولوياتها بقوة.

 

للمرة الأولى، تواجه المملكة ضغوطاً متزامنة على منفذيها البحريين الأكثر أهمية. ففي الشرق، يبقى الخليج العربي ومضيق هرمز رهينة التصعيد بين واشنطن وطهران، بما يحمله ذلك من مخاطر على صادرات الطاقة والتجارة الدولية. وفي الغرب، يزداد البحر الأحمر وباب المندب حساسيةً مع تصاعد التوتر المرتبط باليمن، وما يرافقه من تهديداتٍ للملاحة الدولية. وبين هذين الممرين، تجد الرياض نفسها أمام واقعٍ استراتيجي جديد، لم تعد فيه المسافة الجغرافية وحدها هي التي تحدد مستوى التهديد، بل ترابط ساحات الصراع وتشابكها.

 

وقد كشفت الأزمة الحالية عن حقيقةٍ يصعب تجاهلها، وهي أن مفهوم الأمن نفسه يتغير. فامتلاك أحدث منظومات الدفاع، وعقد صفقات تسليح بمليارات الدولارات، لا يكفي وحده لضمان الاستقرار إذا أصبحت طرق التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد أهدافاً مباشرةً للصراع. لقد انتقلت المنافسة من حماية الحدود إلى حماية الاقتصاد، ومن الدفاع عن الأرض إلى الدفاع عن شبكة المصالح التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.

 

وفي المقابل، تبدو الاستراتيجية الإيرانية، كما يقرأها كثيرٌ من المراقبين، قائمةً على رفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها، عبر توسيع نطاق الضغوط على الممرات الحيوية والقواعد العسكرية، أكثر من السعي إلى مواجهةٍ تقليدية مفتوحة. وبصرف النظر عن الموقف من هذه الاستراتيجية، فإن نتيجتها العملية هي جعل أمن الخليج والبحر الأحمر جزءاً من معادلةٍ واحدة، بحيث لم يعد ممكناً فصل ما يجري في اليمن عن الخليج، ولا ما يحدث في العراق أو الأردن أو لبنان عن مسار الصراع الأوسع.

 

وهذا ما يفسر اتساع دائرة القلق الإقليمي. فالعراق يحاول تجنب التحول إلى ساحة مواجهة مباشرة، والأردن والكويت يواجهان تداعيات اقتراب الصراع من حدودهما، فيما يبقى لبنان من أكثر الساحات هشاشةً إذا اتسعت المواجهة. ومع كل تطورٍ جديد، تتأكد حقيقة أن الجغرافيا السياسية للمشرق والخليج لم تعد تتكون من ملفاتٍ منفصلة، بل من منظومةٍ أمنية مترابطة يؤثر أي خللٍ فيها على بقية أجزائها.

 

لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمآلات المعركة العسكرية، بل بما سيليها. فحتى لو توقفت العمليات في وقتٍ قريب، فإن النظام الإقليمي الذي عرفته المنطقة طوال العقود الثلاثة الماضية لن يعود بالصيغة نفسها. فالعالم يتجه نحو تعدديةٍ أكبر في موازين القوى، والشرق الأوسط يعكس هذه التحولات، سواء عبر تنويع الشراكات الدولية، أو عبر محاولات بناء ترتيباتٍ إقليمية جديدة، أو من خلال إعادة تعريف مفهوم الأمن ذاته.

 

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام السعودية لا يكمن في إدارة تداعيات الأزمة الراهنة فحسب، بل في تحديد موقعها داخل النظام الإقليمي الذي يتشكل. فالخيارات لن تكون محصورة بين التحالفات التقليدية أو القطيعة معها، بل ستتمحور حول كيفية الجمع بين الحفاظ على الشراكات الدولية، وتوسيع هامش القرار الوطني، والانخراط في ترتيباتٍ إقليمية تخفف احتمالات الصدام وتمنح الاستقرار أفقاً أكثر رسوخاً.

 

قد تنتهي هذه الحرب بوقفٍ لإطلاق النار أو بتفاهمٍ سياسي جديد، وقد تطول أكثر مما يتوقع كثيرون. لكن ما يبدو أكثر ترجيحاً هو أن الشرق الأوسط دخل بالفعل مرحلةً انتقالية، تتراجع فيها يقينيات الماضي، فيما لم تتبلور بعد قواعد المستقبل. وبين هرمز وباب المندب، لا يُرسم مصير الممرات البحرية وحدها، بل تُكتب أيضاً ملامح النظام الإقليمي الذي ستعيش في ظله أجيال المنطقة خلال السنوات المقبلة

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القروض لا تساعد على التنمية

    بقلم: علي عبود   كشف تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن الفساد يُعدّ من أبرز العوائق أمام النمو الاقتصادي ...