في إطار سلسلة محاضرات علوم الفلك التي تنظمها مديرية ثقافة طرطوس، بهدف نشر المعرفة العلمية وتعزيز الثقافة الفلكية لدى الجمهور، استضاف المركز الثقافي العربي في طرطوس صباح اليوم الأحد محاضرةً بعنوان “قياس المسافات في الفضاء”، قدّمها يوسف أحمد جندي مدير ثقافة طرطوس ، بحضور نخبة من الأكاديميين والاختصاصيين والطلبة والإعلاميين ورواد الثقافة.
استهلّ المحاضر اللقاء بمراجعةٍ لأبرز المفاهيم التي تناولتها المحاضرة السابقة، متوقفاً عند الوحدة الفلكية بوصفها المسافة الفاصلة بين الأرض والشمس، والسنة الضوئية التي تُعد وحدةً لقياس المسافات لا الزمن، وتمثل المسافة التي يقطعها الضوء في الفراغ خلال عام كامل، إضافة إلى الفرسخ الفلكي (Parsec)، المستخدم في قياس المسافات بين النجوم والمجرات البعيدة، ويعادل نحو 3.26 سنة ضوئية. كما أشار إلى الأبعاد الهائلة للكون المرصود، مستعرضاً بعض التصورات العلمية المتعلقة بحجمه وبنيته.
وانتقل جندي إلى الحديث عن التلسكوب الفضائي هابل، موضحاً آلية عمله بوصفه مرصداً يدور حول الأرض، يعتمد على منظومة دقيقة من المرايا والحساسات التي تجمع الضوء وتحلله، لتمنح العلماء صوراً عالية الدقة ومعلومات قيّمة عن أعماق الكون.
كما استعرض تطور وسائل قياس المسافات الفلكية، منذ اعتماد القدماء على الرصد البصري وعلم المثلثات والزوايا، وصولاً إلى التقنيات الحديثة والتلسكوبات الفضائية، متناولاً مفهوم نقاط لاغرانج، وهي مواقع في الفضاء تتحقق عندها حالة من التوازن بين قوى الجاذبية، الأمر الذي أحدث نقلة نوعية في تصميم المهمات الفضائية ووضع المراصد العلمية.
وتناول المحاضر أيضاً التلسكوب الفضائي جيمس ويب، الذي تفوق قدراته الرصدية قدرات هابل بأضعاف، ويعمل بالأشعة تحت الحمراء، ثمرةً لتعاون علمي بين الولايات المتحدة وأوروبا وكندا. كما شرح أسباب وضعه في إحدى نقاط لاغرانج على مسافة تقارب مليوناً ونصف المليون كيلومتر من الأرض، بما يضمن استقراراً أكبر واستهلاكاً أقل للوقود، ويتيح له مراقبة الكون بقدرات غير مسبوقة.
وتوقفت المحاضرة عند طريقة التزيح النجمي، إحدى أهم الوسائل العلمية لقياس المسافات بين الأرض والنجوم، حيث أوضح جندي كيف يمكن، بالاعتماد على قياس الزوايا في فترتين يفصل بينهما ستة أشهر، وتطبيق مبادئ علم المثلثات، حساب المسافات الفلكية بدقة كبيرة.
كما قدّم أمثلة تطبيقية لهذه الطريقة، شملت حساب المسافة بين الأرض والقمر، واستنتاج نصف قطر القمر، وتقدير المسافة بين الأرض والشمس، مستعرضاً الأسس الرياضية التي تقوم عليها هذه الحسابات.
ولم تقتصر المحاضرة على قياس المسافات، بل امتدت إلى شرح ظاهرة الشفق ودرجاته المختلفة تبعاً لموضع الشمس تحت الأفق، موضحاً ارتباط ذلك بالتحديد الفلكي الدقيق لمواقيت الصلاة والصيام، والفروق الزمنية التي قد تنشأ داخل المنطقة الواحدة تبعاً لاختلاف الارتفاع عن سطح البحر، وكيف راعت الاجتهادات الفقهية هذه الفوارق.
وفي ختام المحاضرة، دار حوار علمي ثري بين المحاضر والحضور، اتسم بالحيوية وعمق الأسئلة، وعكس شغفاً متزايداً بعلم الفلك، ورغبةً صادقة في مواصلة هذه الرحلة المعرفية عبر المزيد من المحاضرات التي تفتح نوافذ جديدة على أسرار الكون وآفاقه الواسعة.






(اخبار سوريا الوطن-مركز ثقافي طرطوس)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

