آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » لا بناء بلا أمل… ولا إصلاح بلا نقد

لا بناء بلا أمل… ولا إصلاح بلا نقد

بقلم:جولي خوري

 

 

 

في المراحل المفصلية من تاريخ الدول، لا يكون التحدي مقتصراً على معالجة الأزمات الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، بل يمتد إلى طبيعة الخطاب الذي يتبناه المجتمع. فالكلمات ليست مجرد تعبير عن المواقف، بل هي قوة قادرة على بناء الثقة أو هدمها، وعلى بث الأمل أو تكريس الإحباط.

واليوم، في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها سوريا، تبدو الحاجة ملحة إلى ترسيخ خطاب وطني مسؤول، يقوم على الواقعية والتفاؤل في آن واحد. خطاب يرى الإنجازات، مهما كانت محدودة، فيدعمها ويشجع عليها، ويرى الإخفاقات فيتعامل معها بعقلانية وشجاعة، بعيداً عن المبالغة أو الإنكار.

إن التركيز على الإيجابيات لا يعني تزيين الواقع أو تجاهل المشكلات، بل يعني الإيمان بأن أي عملية نهوض تبدأ من البناء على ما تحقق، ثم مواصلة العمل لسد الثغرات. فالنظر إلى النصف الممتلئ من الكأس ليس دعوة إلى الاكتفاء بما هو موجود، وإنما هو دعوة للعمل من أجل ملء النصف الآخر، بإرادة جماعية وإيمان بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل مما هو عليه اليوم.

وفي المقابل، فإن النقد الموضوعي البنّاء ليس ترفاً فكرياً ولا عملاً معارضاً لمؤسسات الدولة، بل هو أحد أهم مقومات الدولة القوية. فالدول التي تستمع إلى النقد المسؤول، وتستفيد منه في تصحيح الأخطاء، هي الأكثر قدرة على التطور وتعزيز ثقة مواطنيها. أما إغلاق أبواب الحوار أو اعتبار كل نقد استهدافاً، فإنه يحرم المجتمع من فرصة المراجعة والتطوير، ويمنح الأخطاء مساحة أوسع للاستمرار.

ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق الجهات الحكومية وحدها، بل تشمل أيضاً كل مؤسسات المجتمع، والنخب الفكرية، والإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، والمواطنين جميعاً. فالجميع شركاء في بناء الوعي العام، والجميع مسؤولون عن ترسيخ ثقافة الحوار واحترام القانون، وتغليب المصلحة الوطنية على أي اعتبارات أخرى.

ويظل الإعلام الوطني أحد أهم ركائز هذه المرحلة. فالإعلام الحقيقي ليس منبراً للتصفيق الدائم، كما أنه ليس منصة لنشر الإحباط أو تأجيج الانقسامات، بل هو مساحة مهنية تسلط الضوء على النجاحات لتشجيعها، وتكشف أوجه الخلل بهدف معالجتها، وتفتح المجال أمام الرأي والرأي الآخر ضمن إطار من الاحترام والمسؤولية. فالإعلام الحر والمسؤول يشكل جسراً بين المواطن وصانع القرار، ويسهم في تعزيز الشفافية وترسيخ الثقة بالمؤسسات.

ولعل أكثر ما يثير القلق في السنوات الأخيرة هو تراجع ثقافة الاختلاف الحضاري، حيث أصبح النقاش في كثير من الأحيان يتحول إلى تبادل للاتهامات أو التخوين أو الشتائم. وهذه الظاهرة لا تسيء إلى الأشخاص المختلفين فحسب، بل تسيء إلى المجتمع كله، لأنها تستبدل الحجة بالإساءة، والفكرة بالصوت المرتفع، والحوار بالاستقطاب. بينما تؤكد التجارب الإنسانية أن المجتمعات القوية هي تلك التي تحترم التعددية، وتعتبر اختلاف الآراء مصدر قوة وإثراء، لا سبباً للخصومة والانقسام.

إن سوريا اليوم بحاجة إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويزرع الثقة ولا اليأس، ويحفز المبادرة والعمل بدلاً من الاستسلام والإحباط. وهي بحاجة إلى أن يشعر كل مواطن بأن له دوراً في عملية البناء، سواء بالكلمة الصادقة، أو بالمبادرة الإيجابية، أو بالنقد المسؤول، أو بالإتقان في أداء عمله.

فالوطن لا يُبنى بالشعارات وحدها، ولا بالنقد وحده، ولا بالتفاؤل المجرد، وإنما يُبنى عندما تتحول هذه القيم إلى سلوك يومي يلتزم به الجميع. وحين يصبح النجاح محل تقدير، والخطأ محل مراجعة، والرأي المختلف محل احترام، عندها فقط تتعزز مؤسسات الدولة، وتترسخ الثقة بين المواطن ومؤسساته، ويصبح المستقبل أكثر أملاً واستقراراً.

إن المرحلة التي نعيشها تفرض علينا جميعاً أن نرتقي بخطابنا، وأن نؤمن بأن الاختلاف لا يفسد للوطن قضية، وأن قوة الدول لا تُقاس بغياب النقد، وإنما بقدرتها على تحويله إلى فرصة للإصلاح. فكل كلمة مسؤولة، وكل موقف متزن، وكل حوار راقٍ، هو لبنة جديدة في بناء سوريا التي يتطلع إليها جميع أبنائها: دولة قوية بمؤسساتها، متماسكة بمجتمعها وواثقة بمستقبلها

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من الثورة إلى البناء.. إدلب النموذج

    بقلم: جمعان علي العمير   من الثورة إلى البناء، تمضي إدلب في مسارٍ يعكس قدرة المجتمع على تحويل التحولات الكبرى إلى مشروعٍ وطنيٍّ ...