بين قاعات الجامعة وفضاءات القصيدة، تشكّلت تجربة الشاعرة والأكاديمية السورية الدكتورة ابتسام الصمادي، تجربةٌ جمعت صرامة المعرفة برحابة الخيال، ومنحتها القدرة على النظر إلى الإنسان والمجتمع من زوايا متعددة.
وفي المسافة بين التحليق الشعري والانخراط في العمل العام، بنت الصمادي مشروعاً ظل الوعي محوره الأساسي، فهي ترى أن قيمة القصيدة تحددها قدرتها على حمل أسئلة الإنسان والحرية والهوية، وتؤمن بأن المثقف لا يستطيع أن يبقى معزولاً عن التحولات التي تعصف بمجتمعه.
بين الجامعة والقصيدة
حصلت الصمادي على الدكتوراه في إدارة الأعمال من جامعة نيس الفرنسية، وعملت أستاذة في جامعة دمشق، وأسهمت في تأسيس جامعة قاسيون وعضوية مجلس أمنائها، غير أن الجامعة، في رؤيتها فضاء لتكوين الإنسان وفتح الأسئلة أمامه، لذلك حرصت في تجربتها التدريسية على وصل المعرفة الأكاديمية بالفكر والثقافة، ودفع الطلبة إلى النظر في ما وراء المقرر الجامعي.
وتوضح خلال حديثها لـ سانا الثقافية أن تنقّلها بين الدراسة والعمل الجامعي منحها زوايا متعددة للنظر إلى قضايا المجتمع، وجعل تجربتها الشعرية أكثر اتصالاً بالواقع الإنساني، فالقصيدة لديها لا تنفصل عن الأسئلة التي تطرحها الحياة العامة، بل تستمد منها رؤيتها وموضوعاتها، ومن هنا لا ترى الصمادي تعارضاً بين الشاعرة والأكاديمية، بل تعدّهما مسارين متكاملين، فالبحث يمنح الفكرة دقتها وعمقها، بينما يمنحها الشعر حريتها وقدرتها على الوصول إلى الوجدان.
الثورة تعيد تشكيل الوعي
شكّلت الثورة السورية منعطفاً حاسماً في حياة الصمادي وتجربتها الإبداعية، إذ دفعتها، بحسب تعبيرها، إلى إعادة النظر في أسئلة الحرية والإنسان، وإلى مقاربة الشعر بوصفه موقفاً من العالم، لا مجرد تمرين جمالي.
ولم يظل هذا التحول فكرة نظرية، بل انعكس في نتاجها الأدبي، فأصدرت خلال تلك المرحلة ثلاثة دواوين، بينها مجموعة شعرية للأطفال، إضافة إلى ديوان “والشوق شأنك” الذي نال جائزة توليولا الإيطالية العالمية.
وتكشف هذه المرحلة عن جانب أساسي في تجربتها: فالشعر لديها لا يقف خارج الحدث، لكنه لا يتحول أيضاً إلى خطاب سياسي مباشر، إنه يلتقط الأثر الذي تتركه التحولات الكبرى في الإنسان، ويمنح الخوف والأمل والفقد والحرية لغة تتجاوز اللحظة العابرة.
وترى الصمادي أن ما يواجهه العالم العربي ليس أزمة إنتاج أدبي فقط، بل أزمة وعي انعكست على الهوية والمفاهيم والقيم، لذلك تدعو إلى قراءة التجارب الشعرية من داخل بيئاتها الثقافية والحضارية، وتحذر من استنساخ المناهج الغربية بصورة آلية أو التعامل مع الحداثة باعتبارها شكلاً خارجياً منفصلاً عن جوهر الإبداع.
بالنسبة إليها، لا تبدأ النهضة كثرة الكتب بل من استعادة قدرة الإنسان على السؤال والنقد والتمييز، وهي مهمة تشترك فيها الجامعة والمؤسسة الثقافية والإعلام والمثقف.
القصيدة تختار شكلها
لا تنحاز الصمادي إلى القصيدة العمودية على حساب التفعيلة، ولا إلى قصيدة النثر بوصفها بديلاً نهائياً للأشكال الأخرى، انحيازها الأول هو إلى النص الذي يمتلك ضرورته الداخلية ويقدم إضافة فنية أصيلة،فالقصيدة العمودية، في رأيها، لا تزال قادرة على التجدد، كما تستطيع قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر ابتكار جماليات جديدة متى امتلك الشاعر أدواته، ولم يتحول الشكل لديه إلى قيد أو موضة عابرة.
وتؤكد أن الشاعر ينبغي أن يترك للقصيدة حرية اختيار قالبها، لأن الشعرية هي جوهر النص، أما الوزن والبناء الخارجي فوسيلتان للتعبير وليستا غاية مستقلة، وهذا الموقف ينسجم مع رؤيتها الأوسع للإبداع، فالأصالة لا تعني تكرار الماضي، والتجديد لا يتحقق بمجرد كسر الشكل، ما يمنح القصيدة قيمتها هو قدرتها على إنتاج الدهشة، وطرح الأسئلة، وتقديم تجربة إنسانية صادقة بلغة تمتلك جمالها الخاص.
وفي زمن المنصات الرقمية، ترى الصمادي أن الشعر لم يفقد مكانته، بل إن حضوره يرتبط بقدرة أصحابه على صون قيمته، وتقول: “الشعر يقف خلف أهله، فإذا كانوا شجعاناً كان أشجع”، ورغم ما أحدثته وسائل التواصل من فيض في النصوص، فإنها أتاحت للقصيدة الجيدة الوصول إلى جمهور أوسع، فيما يظل النقد والإعلام ضروريين للتمييز بين الانتشار العابر والتجارب الشعرية الجديرة بالبقاء.
وعي يفتح المستقبل
ترى الصمادي أن المرأة العربية قطعت مسافة واسعة في إثبات حضورها الإبداعي، لكنها لا تزال تواجه تحديات ثقافية ونقدية تجعل تجربتها أكثر تعقيداً، فالكاتبة، بحسب رؤيتها، لا تعبّر عن قضاياها الفردية فقط، بل تحمل في كتابتها أسئلة المجتمع والإنسان، وتدخل المجال الثقافي محاطة بأحكام مسبقة أكثر من التي يواجهها المبدع الرجل بالقدر نفسه.
ومع ذلك، ترفض اختزال إبداع المرأة في هويتها أو مقارنته بتجارب أخرى خارج سياقه، فالقيمة الحقيقية للنص تنبع من اتساع رؤيته الإنسانية، ومن قدرته على تجاوز التصنيفات الضيقة والانفتاح على الحرية والعدالة والكرامة.
ومن هنا، تطمح الصمادي إلى مشروع نهضوي عربي يقوم على التكامل بين المؤسسات الثقافية والأكاديمية والتشريعية، ويمنح المثقفين والإعلاميين دوراً أكبر في حماية الهوية وتعزيز الوعي المجتمعي، مؤكدةً أنها تستعد لإصدار مجموعة شعرية جديدة تواصل بها مشروعها الأدبي.
وبين ديوان ينتظر طريقه إلى القراء ومشروع ثقافي يتطلع إلى المستقبل، لا تزال ابتسام الصمادي تتحرك داخل المفارقة التي اختزلت مسيرتها: الشعر يرفعها إلى فضاء الحرية، والسياسة تعيدها إلى صلابة الواقع، وفي المسافة بينهما تواصل البحث عن القصيدة التي لا تكتفي بوصف العالم، بل تحاول أن توقظ وعيه.
سيرة ذاتية
الدكتورة ابتسام الصمادي عضو في اتحاد الكتّاب العرب، واتحاد الكتّاب والصحفيين في فرنسا، ومنتدى الفكر العربي في الأردن، واتحاد النخب والأكاديميين العراقيين، والملتقى القطري للمؤلفين، وجمعية الصحفيين القطريين.
صدر لها سبعة دواوين شعرية، ومجموعة للأطفال، وكتاب أكاديمي مستند إلى رسالة الدكتوراه، وتُرجمت أعمالها إلى لغات عدة، ونالت جوائز أدبية، من أبرزها جائزة توليولا الإيطالية العالمية، كما اختيرت ضمن أبرز شاعرات الوطن العربي في استطلاع أجرته وكالة أنباء الشعر العربي عام 2008، وتناولت دراسات أكاديمية تجربتها بوصفها نموذجاً للخطاب الشعري النسوي المعاصر.
اخبار سورية الوطن 2_سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن

