آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » الجوع إلى الحوار… حلم ونوس المؤجل

الجوع إلى الحوار… حلم ونوس المؤجل

بقلم: أسيمة حسن

 

 

حين اختار سعد الله ونوس عنوان «الجوع إلى الحوار» لرسالته في اليوم العالمي للمسرح عام 1996، لم يكن يبحث عن عبارة أدبية لافتة، بل كان يضع إصبعه على أكثر ما يفتقده الإنسان. فقد أدرك مبكرًا أن أخطر أنواع الجوع ليس جوع الخبز، بل جوع العقول والقلوب إلى الإصغاء، وإلى الاعتراف بالآخر، وإلى اللقاء الإنساني الذي يصنعه الحوار.

كان ونوس يرى المسرح فضاءً للحوار قبل أن يكون خشبةً للتمثيل، ومكانًا يتعلّم فيه الإنسان أن يرى نفسه في مرآة الآخرين، وأن يختلف دون أن يتحول اختلافه إلى خصومة. ولذلك آمن بأن المسرح ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة حضارية؛ لأن المجتمعات التي تفقد قدرتها على الحوار، تفقد تدريجيًا قدرتها على الحياة.

واليوم، وبعد ما يقارب ثلاثة عقود على تلك الرسالة، يبدو أن الجوع إلى الحوار قد ازداد اتساعًا. ففي عالم يزداد ضجيجًا، تتراجع مساحة الإصغاء، وتعلو أصوات الاتهام والانقسام، بينما تتسع الهوة بين الناس، رغم وسائل التواصل التي كان يُفترض أن تقرّبهم. وما أكثر الحوارات التي تحولت إلى صراعات، وما أقل الحوارات التي تنتهي إلى فهمٍ متبادل.

ولعل أكثر ما كان سيؤلم سعد الله ونوس، لو امتد به العمر، أن يرى المسرح يتراجع أكثر، وأن يشهد انحسار الثقافة أمام هيمنة السرعة والاستهلاك. لكنه، على الأرجح، لم يكن ليتراجع عن إيمانه العميق بأن الثقافة قادرة على مقاومة هذا الخراب، وأن الحوار يظل الطريق الوحيد لإنقاذ الإنسان من عزلته.

ومن هنا تبدو عبارته الخالدة: «إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ» أكثر من مجرد خاتمة مؤثرة؛ إنها موقف أخلاقي وفكري. فالأمل عند ونوس لم يكن تفاؤلًا ساذجًا، بل فعل مقاومة، وإيمانًا بأن الإنسان قادر دائمًا على أن يبدأ حوارًا جديدًا، مهما اشتدت الأزمات.

ومن حصين البحر خرج سعد الله ونوس إلى العالم، لكنه لم يغادرها بروحه يومًا. انتسب إليها زمنًا، فانتسبت إليه أزمانًا، وصار اسمها يتردد كلما ذُكر أحد أهم رواد المسرح العربي الحديث. لقد ترك لنا مسرحًا يوقظ الأسئلة، وكلمةً ما تزال تستحق أن تُقال كل يوم: إننا ما زلنا جائعين إلى الحوار، ولعل هذا الجوع هو أول الطريق نحو مستقبل أكثر إنسانية، إذا أحسنّا الإصغاء قبل أن نحسن الكلام
(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ابتسام الصمادي.. الشاعرة التي جمعت رصانة المعرفة وحرية القصيدة

بين قاعات الجامعة وفضاءات القصيدة، تشكّلت تجربة الشاعرة والأكاديمية السورية الدكتورة ابتسام الصمادي، تجربةٌ جمعت صرامة المعرفة برحابة الخيال، ومنحتها القدرة على النظر إلى الإنسان والمجتمع ...