بقلم:مالك صقور
“وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ”
كانت الحروب هي السمة الأبرز للقرن العشرين؛ فقد شهد القرن العشرون حربين عالميتين طاحنتين ومدمرتين، أحرقتا الأخضر واليابس. وما إن هدأت الحرب العالمية الثانية، واقتسم المنتصرون الغنائم، وأُعيد رسم حدود جديدة، وشُكِّل ما أمكن تشكيله، وانبثقت منظومة البلدان الاشتراكية، وتشكل حلف الناتو، ومن ثم حلف وارسو، إلا أن تداعيات هذه الحرب لم تنتهِ؛ فقد بدأت الحرب الباردة بين الإمبريالية الغربية بقيادة أمريكا، وبين المنظومة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي.
وقد وصلت آثار هذه الحرب وتداعياتها إلى مشرقنا العربي، فتم زرع خلية سرطانية في قلب الوطن العربي، وكانت نكبة فلسطين؛ هذه النكبة التي ما زالت تولّد النكبة إثر النكبة، لا بل النكبات والمصائب والفواجع والهزائم أيضًا في فلسطين وفي المشرق العربي، ساعية، بعد تشريد الشعب الفلسطيني وذبحه، إلى عملية التهويد، وإنشاء «إسرائيل» الكبرى، والشرق الأوسط الكبير والجديد.
أقول: ما إن تنفست البشرية الصعداء بعد الحرب العالمية الثانية، التي كانت حصيلة الضحايا فيها أكثر من ستين مليون ضحية، وترقبت الشعوب التي قهرتها هذه الحرب حال الانفراج، والسلم، والسلام العالمي، والتعايش السلمي بين الشعوب، حتى بدأت الإمبريالية الأمريكية بإشعال الحروب والحرائق وإيجاد بؤر التوتر في كل مكان.
وكان الصراع الضاري بين الكتلتين: الغربية والشرقية، بين الرأسمالية والاشتراكية. وانتهى الصراع بين هاتين الكتلتين بالضربة القاضية من المصارع الأمريكي، التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفييتي، بواسطة حصان طروادة الذي تمثل بغورباتشوف ويلتسن، بعد اغتيال يوري أندروبوف.
ومع بداية تسعينيات القرن العشرين، وغياب الاتحاد السوفييتي، قامت الولايات المتحدة بشن حرب شعواء في قلب أوروبا، في البلقان، وفككت يوغسلافيا، ومن ثم أشعلت حرب البوسنة والهرسك. وقد استمرت هذه المجازر والتطهير العرقي حتى عام 1999.
(وهنا، عليَّ أن أستدرك لأذكّر بما أذاعته إذاعة لندن يوم 3 شباط 1991، على لسان أحد الصحفيين البريطانيين:
«لقد كان أمام الغرب عدوان اثنان: الشيوعية والإسلام؛ وقد انهارت الشيوعية دون أن يقدم الغرب خسائر تُذكر، ويجتمع اليوم كل من الغرب والشرق في خنادق الكاثوليك و«الأرثوذكسية»، لمجابهة العدو المتبقي الواحد».
هل فهم ويفهم المسلمون أن العدو المتبقي هو هم؟ فإن لم يجدوا سببًا للحرب، اختلقوا الطائفية البغيضة، والجميع يعبدون الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي ناجى موسى على جبل الطور.)
في بداية القرن الحادي والعشرين، أصدر الباحث الروسي ألكسندر بانارين كتابًا بعنوان: «التوازن الاستراتيجي المفقود في القرن الحادي والعشرين». وقد سخر من سخر من هذا الباحث والبحث الذي يتحدث عن القرن الذي وُلد لتوه، ليؤكد أنه لا يوجد استقرار في القرن الحادي والعشرين، وأن الحروب مستمرة؛ لأن المنتصر، ويقصد الولايات المتحدة، لن تكتفي بما حققته من نصر على العدو التاريخي الذي استسلم بلا قيد أو شرط.
فقامت أمريكا باحتلال أفغانستان، ومن ثم العراق، وضربت عرض الحائط بكل مواثيق الأمم المتحدة، خارقةً الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن… والعالم يتفرج.
واندلعت حروب في أماكن مختلفة: اليمن والسعودية، إسرائيل وغزة ولبنان، والعراق والسودان وليبيا وسورية، وروسيا وأوكرانيا، وأمريكا و«إسرائيل» وإيران.
أسوق هذا الكلام لأقول: في كل العصور السابقة، وفي كل تاريخ الحروب التي قرأنا عنها، لم يكن الإنسان رخيصًا، ومحتقرًا، ومذلًا، ومهانًا، كما هو الآن في هذا العصر، بعد محنة سجن أبو غريب، وغوانتنامو، وبعد سحل أهالي غزة، وتدمير جنوب لبنان.
لقد أصبح الموت في كل البلدان التي ذكرتُها سِمةً يومية: الموت الجماعي أو الاغتيال الفردي. بهذا، يكون الموت قد فقد طقوسه وجلاله القديم، وحتى الشهادة، كما يقولون.
وبعد اللَّتَيَّا والتي، يطرح سؤال نفسه: هل من أمل؟!
نعم، هل من أمل؟ بعد كل الأسئلة التي طرحناها سابقًا: البشرية إلى أين؟ وعن العلم والمعرفة؟ والبوصلة؟ وإنقاذ العالم والبشرية؟ حقًا، هل من أمل؟ أم أننا نطلب من الإنسان أن ينقذ العالم، بينما هو لم يتعلم بعد كيف ينقذ إنسانيته هو نفسه؟
حقًا، وفعلاً، ألا يمكن تحقيق المصالح من دون حروب؟ فالإنسان لا يحارب ولا يقتل لأنه بحاجة أو لأنه مختلف فحسب، بل لأنه أقنع نفسه أن الآخر لا يستحق الحياة.
لأنه في كل قضية، كبيرة أو صغيرة، يكون السؤال: من هو على الحق؟ ومن هو على الباطل؟ ومن الذي بدأ العدوان؟ ومن هو القاضي العادل الذي يُسمح له أن يحكم بالعدل؟
هل من أمل؟ وماذا حدث للضمير الإنساني؟!
لقد نسي بنو آدم أن يكونوا إنسانًا!!!
مع ذلك، لا يجب أن يسيطر علينا التشاؤم واليأس رغم كل هذه المصاعب؛ لأن الأمل الذي نبحث عنه، ونأمل ونرغب ونتمنى ونحلم به، هو انتصار الضمير الحي، والحكمة، والرحمة، والحرية، والجمال، ونتوج هذا كله بالتسامح والمحبة..
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

