كتب:عامر إلياس شهدا
في 19 أيلول 2025، كتبت عن محدودية الأثر الاقتصادي المتوقع لإلغاء قانون قيصر، في الوقت الذي كان يجري فيه الاحتفاء بإلغائه وكأنه نقطة التحول الأساسية في الاقتصاد السوري. وقلت آنذاك إن إلغاء قيصر، بحد ذاته، لن يكون كافياً لإحداث انتعاش اقتصادي حقيقي، لأن أحد أهم العوائق أمام انفتاح الاقتصاد السوري واندماجه في النظام المالي العالمي كان استمرار وجود اسم سورية على قوائم الدول الراعية للإرهاب.
كما اعترضت وانتقدت في حينه بعض التصريحات الصادرة عن مصرف سورية المركزي، ولا سيما ما يتعلق بنظام «سويفت»، وفتح الحسابات، والتحويلات المالية. وقد أثبتت التطورات اللاحقة أن معالجة هذه الملفات ليست بهذه البساطة، وأن رفع العقوبات أو إلغاء قانون بعينه لا يعني تلقائياً عودة سورية إلى النظام المالي العالمي.
وبعد رفع اسم سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد 47 عاماً، تتضح اليوم الصورة بصورة أكبر، ويتحول السؤال من ماذا أُلغي من العقوبات؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ما الذي ينبغي فعله الآن لوضع الاقتصاد السوري على المسار الصحيح للتعافي؟
ما المطلوب لجذب الاستثمارات إلى سورية؟
وما المطلوب لدمج سورية في النظام المالي العالمي؟
وما الإجراءات التي يجب اتخاذها حتى تتحول هذه الفرصة السياسية إلى نتائج اقتصادية ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟
أولاً: وضع استراتيجية وطنية متعددة المسارات
أعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى استراتيجية اقتصادية ومالية وطنية واضحة، تتضمن عدداً من المسارات الأساسية، من أهمها:
1. إعادة بناء الثقة بالمصارف والسياسات المالية والنقدية
وضع خطة متكاملة لإعادة الثقة بالقطاع المصرفي، وبالسياسات المالية العامة للدولة، وبالسياسة النقدية، باعتبار الثقة شرطاً أساسياً لأي عملية تعافٍ اقتصادي أو جذب للاستثمار.
2. تعزيز استقلالية مصرف سورية المركزي
العمل على إصدار قانون واضح يكرّس استقلالية مصرف سورية المركزي، ويحد من أي تدخلات في قراراته واختصاصاته، بما في ذلك التدخلات من المؤسسات الحكومية، مع الحفاظ على أطر التنسيق المؤسسي التي تفرضها المصلحة العامة.
فالمؤسسات المالية الدولية تتعامل بصورة أساسية مع مصرف سورية المركزي ووزارة المالية، ولذلك يجب أن تكون صلاحيات كل جهة واضحة، وأن تكون المسؤوليات محددة وقابلة للمساءلة.
3. تشكيل مجلس للنقد والتسليف
إعادة تشكيل أو تفعيل مجلس للنقد والتسليف يضم خبرات مصرفية واقتصادية مشهوداً لها بالكفاءة والنزاهة ومقبولة مجتمعياً، بما يسهم في رفع مستوى الثقة والطمأنينة، ويعزز جودة القرارات النقدية والمصرفية.
4. معالجة فجوة السيولة وإدارة الكتلة النقدية
دراسة الحاجة إلى إصدار فئات نقدية إضافية، بما في ذلك فئة 5 ليرات سورية إذا أثبتت الدراسات النقدية والاقتصادية جدواها، بهدف معالجة بعض فجوات السيولة والفئات النقدية المتداولة.
ويجب أن يترافق ذلك مع سياسة نقدية محكمة لإدارة الكتلة النقدية ومراقبة حركتها، بما ينسجم مع أهداف استقرار الأسعار وسلامة النظام النقدي.
5. إعادة المصارف إلى دورها الحقيقي
العودة إلى الأصول والأعراف المصرفية التي تعرضت لتشوهات عميقة خلال السنوات الماضية، وإعادة تفعيل المهام الأساسية المنوطة بالمصارف ودورها في السوق السورية.
فالقطاع المصرفي يجب ألا يكون مجرد وسيط لتنفيذ العمليات المالية، بل شريكاً حقيقياً في إعادة البناء، وتمويل النشاط الاقتصادي، وإدارة السيولة والمساهمة في مراقبة حركة الكتلة النقدية.
6. رفع التصنيف الائتماني السيادي
العمل على تحسين التصنيف الائتماني السيادي لسورية من خلال تعزيز الشفافية، ومعالجة الاختلالات المالية والنقدية، وتقليص العجوزات، وتحسين جودة البيانات المالية والاقتصادية، وبناء سجل واضح وموثوق أمام مؤسسات التصنيف والمستثمرين الدوليين.
7. تأهيل الكادر المصرفي
إطلاق برامج واسعة لتدريب وتأهيل الكوادر المصرفية، وخاصة العاملين في العلاقات الخارجية، لمواكبة التطورات التي طرأت على عمليات الدفع والتحويلات الدولية، وإدارة الحسابات المراسلة، والاعتمادات المستندية، والكفالات، والتحصيلات الخارجية وغيرها من الأدوات المصرفية.
فامتلاك الأنظمة والتقنيات وحده لا يكفي؛ إذ لا بد من وجود كوادر قادرة على استخدامها وفق المعايير الدولية.
8. إدخال التأجير التمويلي «الليزينغ»
العمل على تطوير وإدخال التأجير التمويلي (Leasing) ضمن منظومة الأعمال المصرفية والتمويلية، لما يمكن أن يؤديه من دور مهم في تمويل القطاعات الصناعية والزراعية والسياحية والصحية، والمساهمة في إعادة بناء الأصول الإنتاجية.
أما نظام «سويفت»، فهو في النهاية أداة ضمن منظومة العلاقات والتحويلات المصرفية الدولية، وليس بحد ذاته الحل لكل مشكلات الاندماج المالي.
9. تطوير البنية التحتية للاتصالات والدفع الإلكتروني
النهوض بالبنية التحتية للاتصالات وتطوير أنظمة الدفع الإلكتروني، والعمل على بناء منظومة دفع إلكتروني تجارية حديثة وآمنة وقادرة على مواكبة الأنظمة المعمول بها عالمياً.
10. نشر الثقافة المصرفية والمالية
العمل على نشر الثقافة المصرفية والمالية وثقافة الدفع الإلكتروني على المستوى المجتمعي، لأن التحول الرقمي في القطاع المالي لا يمكن أن ينجح تقنياً من دون قبول اجتماعي وفهم حقيقي لكيفية استخدام أدواته.
11. الالتزام بالمعايير والاتفاقيات الدولية
الالتزام بالاتفاقيات والقواعد والمعايير الدولية المتعلقة بالامتثال وإدارة المخاطر ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والاستفادة من المعايير والتوصيات الدولية، وبالأخص ما يرتبط بإطار بازل وتطوراته.
12. إعادة هيكلة المصارف العامة
العمل على دمج أو إعادة هيكلة المصارف العامة ضمن رؤية واضحة، بما يؤدي إلى تشكيل قطاع مصرفي حكومي أكثر قوة وكفاءة، مع دراسة تحويله إلى شركات مساهمة عامة وفق نموذج قانوني واقتصادي مناسب، بحيث يصبح شريكاً
حقيقياً في تمويل إعادة الإعمار والتنمية.
13. توسيع شبكة العلاقات المصرفية الدولية
بناء شبكة واسعة ومتنوعة من العلاقات المصرفية والمراسلة مع مصارف عالمية في مختلف الدول، وعدم حصرها في اتجاه واحد.
ومن المهم التركيز على بناء علاقات قوية مع مراكز اقتصادية ومالية رئيسية، مثل الصين والهند وألمانيا والولايات المتحدة، بما يتيح تنويع قنوات التمويل والتحويل والتجارة الخارجية.
14. تعزيز الرقابة على حركة العقارات ومصادر الأموال
إحداث مديرية أو منظومة رقابية متخصصة لمتابعة حركة السوق العقارية ومصادر الأموال المستخدمة في عمليات شراء وتمويل العقارات، وربطها بشكل فعال بالجهات المختصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وفق الأطر القانونية والمعايير الدولية.
هذه ليست إلا بداية الطريق
ما سبق ليس سوى جزء من الخطوات المطلوبة، فهناك ملفات كثيرة تحتاج إلى خبرات متخصصة ورؤية اقتصادية ومصرفية متكاملة.
إن رفع اسم سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الاقتصاد ودمجه تدريجياً في النظام المالي والاقتصادي العالمي، لكنه في الوقت نفسه بداية لمرحلة جديدة من العمل الجاد.
اليوم يبدأ الاختبار الحقيقي: هل نستطيع تحويل هذه الفرصة إلى نتائج اقتصادية ملموسة يشعر بها المواطن في معيشته وعمله؟
وإذا كانت لدى المسؤولين في الدولة إرادة حقيقية للنهوض بسورية، فعليهم الاستماع إلى الخبرات والكفاءات الوطنية القادرة على تقديم رؤية واقعية، تستند إلى معرفة عميقة بالاقتصاد السوري وخصوصية المجتمع السوري.
ندعو جميع الخبرات والكفاءات إلى المساهمة بالرأي والمشورة والتعاون مع الدولة للنهوض بسورية.
لقد حان وقت العمل، والمصداقية، والشفافية، والمصارحة مع الذات ومع الشعب، بعيداً عن التطبيل والتضخيم والشعارات
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

