بقلم: المهندس محمود محمد صقر
هناك عبثٌ لا يُضحكك لأنه مضحك، بل لأنه أطول من أن يُحكم بالعقل، كأن التاريخ قرر أن يرتدي زيّ السيرك فوق ركام المدينة.
في صيف الشام، لم تكن الأرض تمشي نحو عطشها، بل نحو سكرها الخاص. سُكب في الكؤوس خليطٌ عجيب: ثلج الزبداني الممزوج بماء بردى، مع رشة سخية من شعارات التحرير الممتدة من شرق المتوسط إلى الباب، ومنه إلى المضيق. سُكرٌ لا يُذهب العقل، بل يُلغيه تمامًا، ليبقى الغبار وحده ساطعًا على الشوارع.
وعلى جسر فيكتوريا، لم يكن الفندق نزلًا للغرباء بقدر ما كان مسرحًا هائلًا للتنكر؛ بناءٌ يبتلع الذاكرة ويغيّر لافتاته كلما صعدت درجًا:
الطابق الأول: لافتةٌ ناصعةٌ للحج والزيارات البريئة.
الطابق الثاني: رفوفٌ أنيقةٌ للثقافة والمنح.
الطابق الثالث: خزائن مفتوحة للمال السياسي والبترودولار.
الطابق الرابع: مكبرات صوت تجأر بجبهة المقاومة.
الطابق الأخير: بلا لافتة، لكن وقع الأقدام الثقيلة وزئير الأذرع كان يعلو فوق كل شيء.
وعلى الباب، يقف حارسُ المرحلة بزيّ «الكابوي»، يلمّع بوق البيانات الرسمية، بينما المذيع المعمّم يصرخ من الشاشة الضخمة بحتمية المعركة، وفي الخلفية — بعيدًا عن العين — تتسلل الشاحنات عبر الأزقة، لا لتفتح طريقًا إلى القدس، بل لتضمن ألا يفتح أحدٌ بابًا في دمشق.
وحين يجرؤ مهندسٌ على إخراج آلته الحاسبة — تلك الأداة التي تكره البلاغة الخشبية — ليحسب كلفة الشعارات مقابل حاصل الأرض، يُتهم بالريبة والمساس بالسلامة القومية؛ فالاستبداد يُصاب بالذعر من عملية جمعٍ وطرحٍ بسيطة!
لم تكن المشكلة في حاجٍّ أتى بقلبه، ولا في بوصلةٍ شريفة؛ فالقدس تبقى الشاهد، والشام كانت بيت الجميع. لكن المأساة كانت في سلطةٍ باعت النبع والأزقة لـ«ذراعٍ» تتطاول، وجعلت قميص فلسطين معبرًا لبناء إمبراطوريةٍ على أجساد العابرين.
سقطت اللافتات المزيّفة في النهاية، واحدةً تلو الأخرى، ولم يبقَ سوى الأفعى وهي تلتف حول الجسر إلى العاصمة، مرورًا بالباب إلى المضيق، تخنق النبع وتستنزف الروح.
نستيقظ من الحلم، ونشرب من ماء بردى المتعب، ونمشي فوق الجسر مترنحين؛ لا لأن العصير كان مسكرًا، بل لأننا رأينا كيف يُباع الوطن في المزاد، وكيف تُخنق المدن العريقة تحت لافتات «التحرير».
ويا أجيال البناء..
لا تشربوا من خابيةٍ تُسدُّ بالخداع، بل طهّروا مشاربكم بالوعي؛ فذعر «الكابوي» وحلفائه ليس من صخب الكؤوس، بل من قوسٍ جيوسياسي نقيّ يمتدُّ نبعُهُ من تركيا إلى اليمن، ليروي الجذور ويُعيد للمياه صفاءها الأوّل.
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

