إعداد: أيمن الحرفي
برحيل الإعلامي السوري الكبير محمد قطان، أول أمس، تفقد الساحة الإعلامية السورية واحداً من جيل الرواد الذين رافقوا ولادة الإعلام المرئي والمسموع في سورية، وأسهموا في وضع اللبنات الأولى لتجربة إعلامية بقيت حاضرة في ذاكرة أجيال من السوريين والعرب.
لم يكن محمد قطان مجرد مذيع أو مدير تلفزيون، بل كان واحداً من الوجوه التي ارتبط اسمها بمرحلة تأسيسية مهمة من تاريخ الإعلام السوري، وبزمن عُرف لاحقاً بـ”زمن الفن الجميل” حين كانت الشاشة والإذاعة نافذة السوريين على الثقافة والفن والأخبار، وكان المذيع يحظى بمكانة خاصة في بيوت الناس.
وُلد قطان ونشأ في دمشق، وبدأ شغفه بالكتابة والإعلام في وقت مبكر. كان الكتاب رفيقه، وفي سنوات الدراسة شارك زملاءه في مدرسة “جودت الهاشمي” بإصدار نشرة شهرية، قبل أن يجد طريقه إلى الإذاعة وهو لا يزال طالباً، من خلال فكرة لبرنامج للأطفال قدمها إلى أستاذ اللغة العربية، فوجدت طريقها إلى البث بإشراف الأمير يحيى عبد العزيز الشهابي، مدير التلفزيون آنذاك.
ومنذ تلك اللحظة، اتسعت تجربته بين الإذاعة والصحافة والمسرح والكتابة. عمل في صحيفتي “الحضارة” و”الأخبار” ، وأجرى في بداياته حوارات مع أسماء أدبية وفنية كبيرة، من بينها الشاعر نزار قباني والأديب عبد السلام العجيلي، وهو لا يزال في مرحلة الدراسة الثانوية.
ومع انطلاق التلفزيون العربي السوري في تموز عام 1960، كان محمد قطان من الإعلاميين الذين واكبوا البدايات الأولى لهذه التجربة، وشهدوا فرحة السوريين بامتلاك شاشة وطنية، حتى إن عبارة “في بيتنا سينما” بقيت تختصر آنذاك دهشة الناس وفرحتهم بهذا المولود الإعلامي الجديد.
وخلال مسيرته الطويلة، تقلّد قطان عدداً من المواقع المهمة، فعمل رئيساً لشعبة التنفيذ والمذيعين، ورئيساً لدائرة البرامج الثقافية، ومديراً لإذاعة حلب، ثم مديراً للبرامج في التلفزيون، ومديراً للتلفزيون العربي السوري، وصولاً إلى منصب مدير عام المؤسسة العربية للإعلان.
وقدّم خلال مسيرته أكثر من 25 برنامجاً تلفزيونياً وإذاعياً، من بينها “للهواة” الذي يُعد من أوائل برامج الهواة في الوطن العربي، و”اعرف مهنتي” و”الباب المفتوح” و”أوائل الطلبة” وغيرها من البرامج التي بقي بعضها راسخاً في ذاكرة المشاهدين.
وكان قطان أيضاً محاوراً بارزاً لكبار نجوم الفن العربي. ومن أشهر لقاءاته الحوار الذي أجراه مع أم كلثوم في منزلها بالقاهرة، عندما سألها عن علاقتها بعالم الحب والعاطفة، فكان صمت (كوكب الشرق) الطويل جواباً بقي حاضراً في ذاكرة الإعلاميين.
كما كان أول إعلامي يجري مقابلة مع الفنانة فيروز في دمشق، وأجرى كذلك أول مقابلة تلفزيونية على شاشة التلفزيون السوري مع الفنان دريد لحام، في وقت كان فيه الأخير في بدايات حضوره الفني، لتصبح تلك المقابلات لاحقاً جزءاً من أرشيف مرحلة مهمة من تاريخ الفن والإعلام السوريين.
ولم يبتعد قطان عن التعليم ونقل خبرته إلى الأجيال الجديدة، فدرّس في قسم الإعلام بجامعة دمشق بين عامي 1983 و1995، وأسهم في تعليم طلابه اللغة العربية وأصول الأداء الإعلامي، وكان يؤكد دائماً أن الإذاعة كانت مدرسته الأولى التي صقلت صوته وحضوره ولغته ومهاراته قبل انتقاله إلى الشاشة.
رحل محمد قطان عن عمر ناهز السابعة والثمانين عاماً، بعد مسيرة امتدت عقوداً، كان خلالها شاهداً على مراحل مهمة من تاريخ سورية الإعلامي، من زمن الإذاعة إلى ولادة التلفزيون، ومن البدايات الأولى للبرامج إلى عصر النجوم الكبار.
برحيله، تخسر سورية واحداً من عمالقة الكلمة والصورة، وتفقد الشاشة اسماً يصعب تكراره؛ إعلامياً جمع بين سلامة اللغة، والثقافة، وخفة الظل، والحضور، والقدرة على محاورة كبار الشخصيات ببساطة وعمق.
سيبقى محمد قطان في ذاكرة الإعلام السوري واحداً من جيل الرواد الذين لم يكتفوا بأن يكونوا أمام الكاميرا، بل شاركوا في صناعة الشاشة نفسها، وتركوا وراءهم إرثاً مهنياً وإنسانياً تتذكره الأجيال.
الرحمة كل الرحمة لروح الفقيد الغالية، والزميل والأستاذ محمد قطان، والعزاء لأسرته ومحبيه وللأسرة الإعلامية السورية





(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
