آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » “القانون في الطب”.. كتاب ابن سينا الذي عبر قروناً من المعرفة

“القانون في الطب”.. كتاب ابن سينا الذي عبر قروناً من المعرفة

خمسة كتب جمعها ابن سينا في موسوعة واحدة، فانتقلت من مدن المشرق إلى قاعات الدرس والمطابع الأوروبية، وظلت قروناً من أبرز مراجع الطب، حملت اسم “القانون في الطب”، والذي رتب فيه مؤلفه معارف عصره في التشريح والأمراض والأدوية والعلاج ضمن بناء واضح، أتاح للأطباء والطلاب دراستها والرجوع إليها.

ونقلت الموسوعة إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر وصدرت في عشرات الطبعات الأوروبية، ليظل الكتاب بعد نحو ألف عام، وثيقة أساسية لفهم تطور المعرفة الطبية وانتقالها بين الحضارات.

كتاب رافق صاحبه بين المدن

ولد أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا سنة 370هـ/980م قرب بخارى، ونشأ في بيئة علمية أتاحت له دراسة المنطق والفلسفة والعلوم الطبيعية قبل أن يتجه إلى الطب، ولم يُكتب القانون في الطب في مكان واحد، إذ بدأ ابن سينا تأليفه في جرجان على الساحل الجنوبي الشرقي لبحر قزوين، وتابع العمل عليه في الري، ثم أتمه في همدان، حيث توفي سنة 428هـ/1037م.

تكسب هذه الرحلة الكتاب بعداً إنسانياً يتجاوز صورة العالم المنعزل بين أوراقه، فقد رافق صاحبه في حياة كثيرة التنقل، بينما كانت المنطقة تشهد تحولات سياسية وتنافساً بين الإمارات، ومع ذلك نجح ابن سينا في بناء موسوعة ضخمة أراد لها أن تجمع أصول الطب وفروعه ضمن نظام واضح، وأن تمنح الطبيب والطالب طريقاً منظماً للوصول إلى المعرفة.

وقصد ابن سينا أن يضم إلى الموسوعة ملاحظاته السريرية، لكن الأوراق التي سجلها عليها ضاعت قبل إدراجها.

خمسة أقسام ترسم خريطة الطب

قسم ابن سينا موسوعته إلى خمسة كتب مترابطة، تناول الأول المبادئ العامة للطب، والتشريح، ووظائف الأعضاء، وأسباب الصحة والمرض، وطرائق حفظ الصحة والعلاج العام، وجمع الثاني الأدوية المفردة ورتبها ترتيباً يسهل الرجوع إليه، فيما خصص الثالث لأمراض أعضاء الجسم وتشخيصها وعلاجها، متدرجاً من الرأس إلى القدم.

أما الكتاب الرابع فتناول الأمراض والحالات التي لا تقتصر على عضو بعينه، مثل الحميات وبعض السموم، في حين جاء الخامس في صورة دستور للأدوية المركبة وطرائق إعدادها واستعمالها، ولم تكن قيمة هذا التقسيم في وفرة المعلومات فقط، بل في تحويل مادة طبية متناثرة إلى خريطة معرفية قابلة للتدريس والمراجعة، لذلك بدا «القانون في الطب» لقرائه أقل شبهاً بمجموعة وصفات، وأكثر اقتراباً من مشروع شامل لتنظيم الطب كما كان معروفاً في القرن الحادي عشر.

من جالينوس إلى اختبار الدواء

استوعب ابن سينا تراث أبقراط وجالينوس وأطباء الحضارة الإسلامية، لكنه لم يتعامل معه بوصفه سلطة لا تُراجع، وتبين دراسة نشرت في مجلة الطب التكاملي أن اسم جالينوس ورد في القانون نحو ثلاثمئة مرة، بين احترام لرأيه وتأكيد لبعض ملاحظاته ونقد لمسائل في الأدوية ووظائف الأعضاء والألم والنبض.

ويظهر النزوع إلى الفحص بوضوح في الكتاب الثاني، حين تحدث ابن سينا عن معرفة قوة الدواء بالتجربة، ووضع سبعة شروط للحكم على تأثيره، من بينها اختبار الدواء في حالة مرضية غير مركبة، والتدرج في الجرعة، ومراعاة الزمن اللازم لظهور الأثر، والتأكد من تكرار النتيجة في معظم الحالات، وإجراء الاختبار على الإنسان لأن أثر المادة في الحيوان قد يختلف.

ولا يجوز مساواة هذه القواعد بالتجارب السريرية الحديثة، بما تتضمنه من مجموعات ضابطة، وتوزيع عشوائي، ومعايير أخلاقية وإحصائية؛ لكنها تكشف وعياً مبكراً بضرورة تقليل العوامل المربكة، والتمييز بين الأثر المباشر للدواء والتحسن العارض، وعدم بناء الحكم على ملاحظة منفردة.

ترجمة فتحت أبواب جامعات أوروبا

دخل القانون أوروبا على نطاق واسع بعد أن ترجمه جيرارد الكريموني إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر، ولم تتوقف الرحلة عند ترجمة واحدة، ففي مطلع القرن السادس عشر أعد الطبيب الإيطالي أندريا ألباغو نسخة لاتينية جديدة، مستفيداً من إقامته في دمشق نحو ثلاثين عاماً ومن معرفته بالعربية، وألحق بها معجماً عربياً لاتينياً للمصطلحات الطبية.

وتشير المكتبة الوطنية الأمريكية للطب إلى صدور نحو ستين طبعة أوروبية من الكتاب أو أجزاء منه بين عامي 1500 و1674، كان معظمها معداً للتعليم الطبي الجامعي، كما ظهرت أول طبعة لاتينية مطبوعة سنة 1472، ثم توالت الطبعات والشروح، في دليل مادي على اتساع الحاجة إليه قبل أن تبدأ الاكتشافات التشريحية والمناهج الطبية الجديدة في تقليص سلطته.

وتجاوز حضور الكتاب التعليم، إذ ترك أثراً واسعاً في الصيدلة وأساليب تصنيف الأمراض والعلاجات عبر أجيال من الشروح، أما الباحث الأمريكي جون أوركهارت، فعقد مقارنة افتراضية بينه وبين كتاب أوسلر مبادئ وممارسة الطب، وقال: إنه سيختار القانون في الطب لو احتاج إلى دليل عملي وهو معزول، لأنه يقدم تصوراً يجمع بين الطب والجراحة.

 ألف عام وبقي الأثر حاضراً

تكشف المخطوطات والترجمات والطبعات المتعاقبة أن القانون في الطب تميز في جمع المعرفة وتصنيفها وتعليمها، وقد منحته ضخامته وعنوانه، الذي يحيل إلى القواعد والأصول، هيئة المرجع الجامع، ثم ساعدت حركة الترجمة والطباعة على إطالة عمره العلمي خارج البيئة التي نشأ فيها.

وبعد نحو ألف عام، لا يستمد الكتاب قيمته من صلاحية علاجاته للطب المعاصر، بل من الطريقة التي استوعب بها ابن سينا تراثاً طبياً واسعاً، ثم رتبه وناقشه وأضاف إليه ملاحظاته.

اخبار سورية الوطن 2_سانا
x

‎قد يُعجبك أيضاً

قراءة نقدية في قصيدة “جدتي العاشقة” للشاعر السوري ( علي نفنوف) بعنوان “الحب الفطري لدى جدتي العاشقة”.

    بقلم:ناديا عوض     تقوم قصيدة “جدتي العاشقة” على مفارقة شعرية وفكرية لافتة: امرأة ريفية تبدو بعيدة عن مفردات العشق ومصطلحاته، لكن الحب ...