آخر الأخبار
الرئيسية » تربية أخلاقية وأفعال خيرية » فقه المعاملات.. حين تتحول الأخلاق إلى أسلوب حياة

فقه المعاملات.. حين تتحول الأخلاق إلى أسلوب حياة

كتب: المهندس نضال رشيد بكور

 

 

إن الحاجة الملحّة اليوم في الخطاب الديني لا تكمن في إعادة التذكير بالعبادات الشعائرية فحسب، بل في بعث فقه المعاملات بوصفه روحاً محركة للمجتمع.

فتديّن المرء لا يُقاس بصلاته وصيامه فحسب، بل بمدى انعكاس ذلك على سلوكه في الأسواق، وعلاقاته مع الناس، وطريقة تعامله معهم.

وفي طليعة هذه المنظومة يتجلى الصدق، ليس كفضيلة أخلاقية مجردة، بل كعقد اجتماعي ونفسي يضمن سلامة البنية المجتمعية. وحين قال الله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}

كان يؤسس لبيئة آمنة من الخداع، وهو ما أصّله النبي ﷺ حين ربط النجاة بالصدق، موضحاً أن الصدق يهدي إلى البر، وأن البر يهدي إلى الجنة.

ويتفرع عن الصدق في السلوك الاجتماعي قيمة الوفاء بالعهود؛ فالوفاء هو الضمانة القانونية والروحية لاستقرار المعاملات، وبدونه تتحول الالتزامات إلى حبر على ورق، والوعود إلى سراب.

إن الوفاء، في المنظور القرآني، فرض يتجاوز الرغبات الشخصية، إذ يقول الحق سبحانه:

{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}

وعندما يفقد المجتمع الوفاء، يسقط في مستنقع النفاق الذي حذّر منه النبي ﷺ، حين جعل إخلاف الوعد وخيانة الأمانة من علاماته.

ولا يمكن لهذه المنظومة الأخلاقية أن تثمر إلا إذا حرّكها محرك داخلي عظيم، وهو الإخلاص.

والإخلاص، بمعناه العميق، هو تنقية العمل من الشوائب، وابتغاء وجه الخير، ليتحول السلوك اليومي والمعاملة المادية إلى عبادة، بفضل الرقابة الذاتية النابعة من الداخل، لا من القوانين والرقابة الخارجية وحدها.

وتتجلى هذه القيمة في قوله تعالى:

{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}

فالإخلاص شرط في قبول العمل وصلاح أثره في واقع الناس. وكما قال النبي ﷺ:

«إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صورِكم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم».

ومن هنا، تتبلور نهاية هذه الرحلة الأخلاقية في النتيجة الطبيعية لفقه المعاملات، وهي التكافل الاجتماعي؛ إذ لا يمكن للصدق والوفاء والإخلاص أن تجتمع في أمة، ثم تبيت فيها بطون جائعة وأخرى متخمة.

فالتكافل هنا ليس منّة، بل هو واجب بنيوي تتكامل فيه الأدوار، كما صاغها القرآن الكريم بدقة:

{وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}

وهذا الترابط العضوي يحوّل المجتمع إلى جسد واحد متماسك، وهو التجسيد الأعمق للحديث النبوي الشريف:

«مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».

وهكذا يصبح فقه المعاملات طريقة حياة تُعاش، لا مجرد أحكام تُتلى، ومنهجاً يضمن صيانة كرامة الإنسان، وترسيخ قيم الصدق والوفاء والإخلاص، وتحقيق العدالة في واقع الناس.

جمعة مباركة بإذن الله تعالى، وتقبّل الله طاعتكم

(اخبار سوريا الوطن-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جمعية مزرعة الحنفية الخيرية بطرطوس تحتفي بالتفوق العلمي وتكرّم 43 طالباً وطالبة

متابعة:هيثم يحيى محمد     في مبادرة تعكس إيمانها بأن العلم والتفوق استثمار حقيقي في الإنسان والمستقبل، أقام مجلس إدارة جمعية مزرعة الحنفية الخيرية بطرطوس ...