تبحث هذه الدراسة في التحولات التي طرأت على العلاقات اللبنانية – السورية في أعقاب سقوط نظام الأسد، وما تقدمه المرحلة الجديدة من تحديات وفرص لإعادة تأسيس العلاقة بين البلدين على قاعدة الندية السيادية والتكافؤ المؤسسي. وتنطلق من قراءة تاريخية للعلاقة التي اتسمت، مدى عقود، باختلالٍ واضح في موازين القوى وتداخل سياسي وأمني واقتصادي عميق، انعكس على استقلال القرار اللبناني وعلى قدرة مؤسسات الدولة على ممارسة سيادتها بصورة كاملة.
من هذا المنطلق، تطرح الدراسة سؤالاً محورياً حول إمكان الانتقال من إرث الهيمنة والتدخل إلى نموذج جديد يقوم على احترام سيادة الدولتين وإدارة المصالح المشتركة من خلال المؤسسات الرسمية. وتستعرض مجموعة من الآراء والتحليلات المتنوعة بمشاركة المستشار الاقتصادي الدكتور أسامة قاضي، والصحافي قتيبة ياسين، والناشطة السياسية عالية منصور، بما يقدّم مقارباتٍ مهمّة للواقع السوري وتحديات المرحلة الراهنة.
تركز الدراسة، أولًا، على تحديات السيادة الحدودية، موضحة أن الإشكالية لا تقتصر على وجود حدود جغرافية، بل تتصل بالفجوة بين الأساس القانوني والتاريخي للحدود وبين القدرة على تثبيتها ميدانياً وإدارتها مؤسساتياً. كما تتناول ظاهرة “المنطقة الرمادية السيادية”، الناتجة من عدم اكتمال الانتقال من السيادة القانونية إلى السيادة التطبيقية، إضافة إلى التعقيدات المرتبطة بمزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وضرورة معالجة هذه الملفات من ضمن مسار قانوني وسياسي مستقل.
وتُظهر المعلومات البعد السياسي والمؤسسي للعلاقات الثنائية، فتطرح “مبدأ فصل المسارات” كإطار أساسي لمنع استخدام ملف أمني أو اقتصادي للضغط على ملفات سيادية أو سياسية أخرى. كما تربط نجاح هذا النموذج بقدرة المؤسسات الرسمية واللجان المشتركة على العمل باستقلالية وشفافية وقابلية للمساءلة، بما يعزز مفهوم “الندية السيادية” القائم على استقلال القرار الوطني والتكافؤ المؤسسي والاحتكام إلى القنوات الرسمية.
اقتصادياً، تُبرز الدراسة حجم التشابك التاريخي بين الاقتصادين اللبناني والسوري، في مقابل تنامي الاقتصاد الموازي والتهريب وتراجع الاستثمارات نتيجة الأزمات المتراكمة. وتعتبر أن ضبط المعابر غير الشرعية، ومكافحة شبكات التهريب، ومراجعة الاتفاقات الاقتصادية وفق مبدأ المعاملة بالمثل، يمكن أن تشكل أساساً لشراكة أكثر توازناً. كما ترى أن تحسن الاقتصاد السوري قد يفتح فرصاً أمام التجارة والترانزيت وإعادة الإعمار، بما يحقق مصالح مشتركة من ضمن أطر قانونية واضحة.
أما أمنياً، فتتناول واقع الحدود، وتداعيات التدخلات العسكرية والإقليمية، إضافة إلى ملفات القيادات الأمنية السورية السابقة، والمفقودين والمعتقلين اللبنانيين في سوريا، والموقوفين السوريين في لبنان. وتؤكد أن معالجة الملفات الإنسانية والقضائية تشكل عنصراً أساسياً في بناء الثقة بين الدولتين، بالتوازي مع تعزيز التعاون الأمني الرسمي ومكافحة الجريمة العابرة للحدود والتهريب.
وتخلص إلى أن مستقبل العلاقات اللبنانية-السورية يتوقف على القدرة على تحويل التفاهمات والاتفاقات إلى مؤسسات وآليات عمل مستدامة، وتطرح ثلاثة سيناريوات: عودة الهيمنة، والقطيعة الباردة، والندية المؤسساتية. وترجّح المعطيات المتاحة إمكان اختبار السيناريو الثالث، شرط تثبيت استقلال القرار، وحصر استخدام القوة بالمؤسسات الشرعية، واحترام القانون، إلى جانب فصل المسارات، وتحويل الحدود والعلاقات الاقتصادية والأمنية إلى ملفات تُدار بمنطق الشراكة المتكافئة لا النفوذ والوصاية.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن

