الرئيسية » إقتصاد و صناعة » أزمة صناديق الاستثمار في تركيا واحتمالات تأثيرها على الاقتصاد السوري.. هل تتحول الأزمة النقدية هناك إلى تحدٍّ إنتاجي هنا؟

أزمة صناديق الاستثمار في تركيا واحتمالات تأثيرها على الاقتصاد السوري.. هل تتحول الأزمة النقدية هناك إلى تحدٍّ إنتاجي هنا؟

 

 

بقلم: الاقتصادي مهند الزنبركجي

متخصص في التخطيط الاستراتيجي وتأسيس الشركات القابضة

 

لم تعد التطورات التي شهدتها أسواق المال التركية مجرد تراجع عابر في أسعار الأسهم، بل تحولت إلى أزمة سيولة وثقة داخل جزء من سوق صناديق الاستثمار، بعدما واجه عدد من الصناديق صعوبات في تلبية طلبات الاسترداد، ما دفع السلطات التركية إلى اتخاذ إجراءات واسعة شملت تعليق التعاملات في صناديق محددة وبدء تصفية 131 صندوقاً استثمارياً، بالتوازي مع فتح تحقيقات حول شبهات تلاعب في بعض الأسهم.

 

تكمن خطورة الأزمة في حجم الأموال المرتبطة بالصناديق المشمولة بالإجراءات، والتي تُقدّر بنحو 891 مليار ليرة تركية، وهي كتلة مالية كبيرة مرتبطة بمدخرات مئات آلاف المستثمرين. والمشكلة الأساسية أن بعض الصناديق كانت تستثمر في أسهم محدودة التداول، ما جعل بيع كميات كبيرة منها لتوفير السيولة أمراً صعباً من دون التأثير في أسعارها.

 

عندما بدأ المستثمرون بطلب استرداد أموالهم، احتاجت الصناديق إلى السيولة سريعاً، وأصبح عليها بيع أصولها. لكن البيع في سوق محدودة السيولة يؤدي إلى انخفاض الأسعار، وانخفاض الأسعار يخفض قيمة الصندوق، ما يدفع مستثمرين آخرين إلى طلب الاسترداد. وهكذا تتشكل حلقة تبدأ بالسحب وتنتهي بمزيد من البيع وانخفاض الأسعار، وهي الحلقة التي حاولت السلطات التركية كسرها قبل أن تنتقل الضغوط إلى بقية السوق.

 

لهذا تدخل البنك المركزي التركي من خلال أدوات إدارة السيولة، ورفع قدرة النظام المالي على الحصول على التمويل، إلى جانب توسيع حدود الاقتراض بين البنوك. ويجب التأكيد هنا أن هذه السيولة لا تعني تعويض المستثمرين عن خسائرهم، وإنما تهدف إلى منع عمليات البيع الاضطرارية وتوفير الوقت للمؤسسات المالية لمعالجة الضغوط.

 

كما بدأت عملية تصفية الصناديق تحت إشراف مؤسسات مصرفية كبيرة، بحيث تتم تصفية الأصول تدريجياً وفق ظروف السوق، ثم توزيع الأموال الناتجة على المستثمرين بحسب حصصهم. ولذلك فإن القيمة التي سيحصل عليها المستثمرون في النهاية لن تعتمد بالضرورة على القيمة التي كانت الصناديق تعلنها قبل الأزمة، وإنما على القيمة الفعلية التي يمكن تحقيقها عند بيع الأصول.

 

في الجانب الرقابي، فتحت السلطات التركية تحقيقات في شبهات تلاعب مرتبطة ببعض الأسهم، وأعلنت توقيف عدد من الأشخاص وإخضاع آخرين لإجراءات قضائية. وهذه الإجراءات تبقى ضمن إطار التحقيقات والاتهامات، ولا تعني صدور أحكام نهائية بالإدانة.

 

اقتصادياً، تكشف الأزمة عن مشكلة تتجاوز انخفاض أسعار الأسهم، وهي مخاطر الاستثمار في أصول قليلة السيولة. فقد يؤدي ارتفاع أسعار الأسهم إلى جذب مزيد من الأموال، ثم يصبح تدفق الأموال نفسه عاملاً في دفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع. لكن عندما تبدأ الأموال بالخروج، تنقلب المعادلة، ويصبح الصندوق مضطراً للبيع، فيؤدي ضعف السيولة إلى تضخيم الخسائر.

 

ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع التطورات الحالية باعتبارها انهياراً شاملاً للاقتصاد التركي. فالإجراءات المتخذة تتركز بصورة أساسية على قطاع محدد من سوق الصناديق، بينما يستخدم البنك المركزي أدواته النقدية لمنع انتقال اضطرابات السيولة إلى بقية النظام المالي. ويكمن الخطر الحقيقي في حال انتقال الأزمة من صناديق الاستثمار إلى البنوك والائتمان وسعر صرف الليرة والاقتصاد الحقيقي.

 

أما بالنسبة إلى سوريا، فإن أهمية الأزمة تأتي من الترابط المتزايد بين الاقتصادين. وأول نقطة محتملة لانتقال التأثير هي الليرة التركية. فإذا تعرضت لضغوط إضافية، فقد تصبح السلع التركية أكثر تنافسية سعرياً في السوق السورية، وهو أمر قد يفيد المستورد والمستهلك، لكنه في المقابل يزيد الضغط على الصناعات السورية، خصوصاً النسيج والألبسة والأغذية وبعض الصناعات الاستهلاكية.

 

هنا تتحول المشكلة من تطور نقدي في تركيا إلى تحدٍّ إنتاجي في سوريا. فإذا بقيت تكاليف الطاقة والنقل والتمويل والإنتاج مرتفعة محلياً، بينما أصبحت السلع التركية أرخص، فقد تتسع الفجوة التنافسية لمصلحة المنتجات المستوردة.

 

أما النقطة الثانية فتتمثل في التمويل المصرفي وتمويل التجارة. ومع بدء تطوير العلاقات المالية والمصرفية بين سوريا وتركيا، يصبح استقرار النظام المالي التركي أكثر أهمية بالنسبة إلى بعض العمليات التجارية والمالية المرتبطة بالبلدين. وإذا تحولت أزمة الصناديق إلى أزمة سيولة مصرفية أوسع، فقد تصبح البنوك التركية أكثر تحفظاً في تمويل التجارة والاستثمار الخارجي، ما قد يؤدي إلى تشدد في الاعتمادات والضمانات وارتفاع تكلفة بعض العمليات المالية.

 

النقطة الثالثة هي الاستثمارات التركية في سوريا. وفي حال واجهت الشركات التركية ضغوطاً مالية كبيرة، فقد تعيد ترتيب أولوياتها أو تؤجل بعض الاستثمارات الخارجية. لكن هذا لا يعني بالضرورة انسحاب الاستثمارات التركية من سوريا، بل إن التأثير المحتمل سيكون في سرعة تنفيذ بعض المشاريع وحجم التمويل المتاح لها.

 

لذلك فإن السيناريو الأخطر بالنسبة إلى سوريا ليس أزمة صناديق الاستثمار بحد ذاتها، وإنما انتقالها إلى الاقتصاد التركي الأوسع، بحيث تترافق مع انخفاض حاد ومستمر في الليرة، وتشدد مصرفي، وتراجع الائتمان والاستثمار. أما إذا بقيت الأزمة محصورة في الصناديق المتضررة وتمت السيطرة عليها، فمن المرجح أن يبقى تأثيرها على سوريا محدوداً وغير مباشر.

 

تكشف الأزمة التركية بالنسبة لنا، كدولة سورية، أهمية تنويع العلاقات التجارية والمصرفية والاستثمارية وعدم الاعتماد المفرط على سوق واحدة. فالعلاقة الاقتصادية مع تركيا يمكن أن توفر فرصاً مهمة للتجارة والاستثمار وإعادة الإعمار، لكنها في الوقت نفسه تجعل الاقتصاد السوري أكثر حساسية لأي اضطراب كبير في الاقتصاد التركي.

 

لكن بالنسبة إلى سوريا، تتجاوز أهمية هذه الأزمة حجم الخسائر التي تكبدتها الصناديق، إذ تكشف أن مرحلة إعادة الاندماج المالي والاقتصادي تتطلب بناء شبكة واسعة ومتنوعة من العلاقات المصرفية والتجارية والاستثمارية، بما يقلل من حساسية الاقتصاد السوري تجاه أي اضطراب في سوق واحدة. وتزداد أهمية هذا التوجه في مرحلة تعمل فيها سوريا على إعادة تأهيل قطاعها المصرفي وتعزيز انفتاحها على حركة الاستثمار والتجارة الإقليمية والدولية.

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أين الدور الفاعل لغرفة صناعة حماة؟! الصناعة الرائدة في حماة تستحق تمثيلاً يعبّر عن كبريائها الإنتاجي ونبضها الحقيقي

بقلم:المهندس نضال رشيد بكور     في الفلسفة البنيوية للمؤسسات، تُقاس شرعية الوجود بمدى القدرة على خلق الفعل، لا بمجرد استقبال أصدائه وإعادة تدوير تعاميمه. ...