بقلم: حيدر الشمري
تخيل أنك لم تأكل لحمًا منذ عامين. وفجأة، في صباح واحد، تجد كل متاجر بلدك ممتلئة باللحم والزبدة والسكر، وكأنها سقطت من السماء. هذا ليس حلمًا. هذا ما حدث في ألمانيا.
السنة 1948. ألمانيا جثة. لا عملة. الرايخ مارك أصبح ورق حمام. الناس تقايض السجائر الأمريكية بالخبز. سيجارة واحدة تساوي رغيفًا. المصانع موجودة، لكنها صامتة. لماذا تنتج وأنت لن تربح شيئًا؟
الحلفاء يراقبون ويضحكون. يقولون: الألمان لا يصلحون إلا للحرب، ولا يعرفون كيف يبنون اقتصادًا.
هنا ظهر رجل يشبه تاجر سجق أكثر من كونه اقتصاديًا. اسمه لودفيغ إيرهارد. رجل سمين، أصلع، سيجاره لا ينطفئ أبدًا. لا أحد كان يحترمه.
يوم 20 يونيو 1948، الساعة صفر. الأمريكان يقررون: سنرمي العملة القديمة في الزبالة، ونعطي كل ألماني 40 مارك جديدًا. فقط 40.
الشعب مرعوب. 40 مارك ماذا تفعل؟
إيرهارد كان يخبئ سكينًا وراء ظهره.
بدون أن يخبر الأمريكان، وبدون أن يخبر حتى مستشاره، ذهب إلى الإذاعة وفجّر القنبلة: أعلن إلغاء كل شيء. كل تسعيرة جبرية، كل بطاقة تموين، كل رقابة على الأسعار. من الغد، السوق حرة مئة بالمئة.
الجنرال الأمريكي لوسيوس كلاي، الحاكم العسكري لألمانيا، جنّ جنونه. اتصل به يصرخ: «يا إيرهارد، كيف تلغي قوانيننا؟»
فأجابه إيرهارد بجملة ستدخل التاريخ: «أنا لم ألغِ قوانينكم، أنا ألغيت المادة التي تطبقها».
كان انتحارًا سياسيًا. لو فشل، كان سيُشنق شعبيًا.
وجاء صباح 21 يونيو.
وهنا حدثت الصدمة التي لم يفهمها أحد.
الألمان الذين استيقظوا ليشتروا خبزهم وجدوا المعجزة. المتاجر التي كانت فارغة كالقبور لمدة ثلاث سنوات، امتلأت فجأة. الجبن، اللحوم، الأقمشة، الأحذية، كل شيء ظهر. كأن الأرض انشقت وأخرجت كنوزها.
أين كانت هذه البضائع؟ كان التجار يخبئونها في الأقبية، لأن البيع بالعملة القديمة خسارة. عندما جاءت عملة قوية وسوق حرة، أخرجوها في ليلة واحدة.
الناس وقفت في الشوارع تبكي. نساء يلمسن القماش بأيديهن لأول مرة منذ الحرب.
هذا اليوم سُمّي في ألمانيا: يوم الميلاد الحقيقي.
لكن إيرهارد لم يكن مجنونًا. كان يلعب لعبة أذكى من الجميع. سماها: اقتصاد السوق الاجتماعي.
قال للرأسمالي الجشع: سأتركك تربح كما تريد، بلا حدود.
وقال للعامل الخائف: وسأضع شبكة أمان تحتك، حتى لو سقطت لن تموت جوعًا. تأمين صحي، ضمان بطالة، سكن.
أرضى الوحشين في نفس اللحظة. الرأسمالية والاشتراكية.
النتيجة؟ انفجار لا يصدق.
من 1950 إلى 1960، ألمانيا كانت تنمو بسرعة 8 بالمئة كل سنة. لمدة عشر سنوات. الإنتاج تضاعف ثلاث مرات. العالم كله كان ينظر ويقول: ما هذا؟ أليست هذه نفس ألمانيا التي كانت بالأمس تأكل من القمامة؟
وسموها: المعجزة. Wirtschaftswunder.
لكن الحقيقة المثيرة التي يخفونها:
هذه المعجزة لم يصنعها الرجال وحدهم. صنعتها نساء الأنقاض Trümmerfrauen اللواتي حملن المصانع على أكتافهن، وصنعها دولار أمريكي خائف من ستالين. أمريكا ضخت 1.4 مليار دولار كآلات، ليس حبًا بألمانيا، بل لتبني جدارًا اقتصاديًا ضد الشيوعية.
ألمانيا فهمت أخيرًا. لم تعد تحتاج دبابة بانزر لتغزو باريس. يكفي أن تبيع لباريس ثلاجة وسيارة.
وفي 1957، دخلت السوق الأوروبية المشتركة، ليس كمتسول، بل كتاجر يملك المحفظة الأكبر.
انتهت الحلقة الثانية.
في الحلقة الثالثة: القنبلة الأخطر. كيف صنعت ألمانيا عملة اسمها المارك الألماني، جعلت الفرنسيين يكرهونها أكثر من كرههم للجيش النازي؟ وكيف اشترت أوروبا كلها بهذه العملة دون أن تطلق رصاصة واحدة؟
(أخبار سوريا الوطن-صفحة الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

