أخبار سوريا الوطن-اسرة التحرير
أعادت مداخلة عضو مجلس الشعب السوري أحمد محمد الإسماعيل، التي طالب فيها بتقنين ضرب الطلاب في المدارس، الجدل حول أساليب الانضباط المدرسي وحدود العلاقة بين المعلم والطالب، لتدخل الفنانة السورية ميس حرب على خط النقاش بردّ مباشر عبر مقطع فيديو نشرته على صفحتها في فيسبوك.
وقالت حرب: «الضرب أكبر دليل على فشل المدرّس وعدم قدرته على فرض شخصيته في الصف»، معبّرة عن رفضها إعادة شرعنة العنف الجسدي ضد الطلاب كوسيلة تربوية.
ويتقاطع موقفها مع ما قاله وزير التربية محمد عبد الرحمن تركو خلال الجلسة نفسها، حين أكد أن «الضرب يروّض ولا يربّي»، في إشارة إلى ضرورة اعتماد أساليب تربوية تحفظ كرامة الطالب وتساعده على التعلم والنمو.
لكن أهمية ما طرحته ميس حرب تتجاوز موقفًا من الضرب بحد ذاته، لتضع أمام المدرسة سؤالًا أكثر عمقًا: كيف يستطيع المعلم أن يفرض حضوره ويحافظ على الانضباط من دون أن يتحول الصف إلى مساحة للخوف؟
الهيبة لا تُبنى بالعقوبة
لطالما ارتبطت صورة «المعلم المهاب» في بعض البيئات التعليمية بقدرته على العقاب، فيما تكشف تجارب كثيرة أن المعلم الأكثر تأثيرًا هو الذي يستطيع أن يجعل طلابه يحترمونه من دون أن يخافوا منه.
فلكل معلم طريقته في التعامل مع طلابه، ولكل صف ظروفه وشخصيته. هناك من ينجح بالحوار، وآخر بالحزم والوضوح، وثالث يستطيع تحويل الدرس إلى مساحة تجذب الطالب وتدفعه إلى المشاركة. وفي جميع هذه الحالات تبقى شخصية المعلم، وعدالته، وقدرته على فهم طلابه، أدوات أساسية في إدارة الصف.
ومن هنا، فإن تجربة كل معلم خلال سنوات عمله يمكن أن تتحول إلى مصدر مهم لتطوير العملية التعليمية. لماذا نجح مدرس في ضبط صفه من دون عنف؟ كيف تعامل مع الطالب المشاغب؟ كيف احتوى الخلافات؟ وكيف استطاع أن يضع حدودًا واضحة للسلوك من دون إهانة الطالب أو كسر شخصيته؟
هذه الأسئلة قد تكون أكثر فائدة لمستقبل التعليم من السؤال عن نوع العقوبة التي ينبغي السماح بها.
المعلم بحاجة إلى أدوات
النقاش حول الانضباط المدرسي لا ينبغي أن ينتهي عند منع الضرب أو السماح به، بل يجب أن ينتقل إلى سؤال أكبر: هل يمتلك المعلم اليوم الأدوات التي تساعده فعلًا على إدارة الصف؟
إذا كان المطلوب من المعلم أن يكون مربّيًا قبل أن يكون ناقلًا للمعلومة، فإن ذلك يتطلب تأهيلًا تربويًا مستمرًا، وتدريبًا على إدارة السلوك، ودعمًا من الإدارة المدرسية، وقواعد واضحة للتعامل مع المشكلات، إضافة إلى تواصل حقيقي مع الأسرة.
كما أن تطوير المدرسة يتطلب الانتقال من فكرة «العقوبة» إلى مفهوم أوسع هو المسؤولية والانضباط الإيجابي، بحيث يدرك الطالب أن لكل سلوك نتيجة، من دون أن تكون النتيجة بالضرورة إهانة أو عنفًا جسديًا.
وهنا يمكن أن يكون للمعلم دور محوري في بناء ثقافة جديدة داخل المدرسة: حزم بلا عنف، واحترام بلا تسيّب، وانضباط بلا إذلال.
من تجربة المعلم إلى مستقبل التعليم
ربما يكون من المفيد أن تستفيد وزارة التربية من تجارب المعلمين أنفسهم، وأن تفتح المجال أمامهم لتبادل الأساليب التي أثبتت نجاحها في التعامل مع الطلاب.
ففي المدارس السورية آلاف التجارب التي لا تُكتب في الكتب والمناهج، لكنها تشكل جزءًا حقيقيًا من الخبرة التربوية: معلم استطاع استعادة طالب كان على وشك ترك المدرسة، وآخر نجح في احتواء طالب كثير المشكلات، وثالث تمكن من بناء علاقة جعلت الطلاب يلتزمون داخل الصف احترامًا له وثقة به.
لماذا لا تتحول هذه الخبرات إلى برامج تدريبية للمعلمين الجدد؟ ولماذا لا تكون هناك مساحات يتبادل فيها المدرسون تجاربهم في إدارة الصف وحل المشكلات السلوكية؟
إن الاستثمار في المعلم نفسه قد يكون أحد أهم الاستثمارات في مستقبل التعليم؛ فالمناهج مهما تطورت، والتقنيات مهما تقدمت، تبقى العلاقة بين المعلم والطالب عنصرًا أساسيًا في نجاح العملية التعليمية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة موقف ميس حرب باعتباره دعوة إلى إعادة النظر في مفهوم «هيبة المعلم». فالهيبة التي تقوم على الخوف قد تفرض الصمت، لكنها لا تبني بالضرورة احترامًا أو تعلمًا حقيقيًا. أما الهيبة التي يصنعها العلم والشخصية والعدل والحضور، فهي التي يمكن أن تبقى مع الطالب حتى بعد أن يغادر المدرسة.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا ليس: كيف نعيد العصا إلى المدرسة؟ بل: كيف نمنح المعلم ما يحتاج إليه كي لا يحتاج إليها؟
فمستقبل التربية لا يُبنى بالخوف، وإنما بمعلم قادر، وطالب محترم، ومدرسة تعرف أن مهمتها لا تقتصر على ضبط السلوك، بل تمتد إلى بناء الإنسان



(أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

