بقلم المهندس محمود محمد صقر
أثار مقال الدكتورة المهندسة بتول عيسى في “اخبار سوريا الوطن” حول الاستملاكات في سورية سؤالًا بالغ الأهمية، وأعاد إلى النقاش ملفًا لا يتعلق بالأرض وحدها، بل بعلاقة الدولة بالمواطن، وبالعدالة، وبالمدينة التي نريد أن نبنيها.
ولها الشكر على إثارة هذا الموضوع؛ فالأفكار الكبيرة تبدأ أحيانًا من سؤال محدد، ثم نكتشف أن وراءه أسئلة أكبر.
فإذا كنا سنعيد النظر في الأراضي التي استملكتها الدولة، فمن حقنا أن نسأل: لماذا استُملكت؟ ماذا بُني عليها؟ وهل ما زالت الغاية والمواقع التي اختيرت قبل عشرات السنين صالحة اليوم؟
ومن هنا يتسع السؤال:
قبل أن نعيد بناء سورية… هل نعيد بناء ما كان، أم نبني ما كان ينبغي أن يكون؟
هناك لحظات في تاريخ المدن لا تأتي مرتين؛ لحظات يصبح فيها الخراب، على قسوته، فرصة لإعادة طرح السؤال من البداية:
أيّ سورية نريد أن نبني؟
فالمدينة ليست أبنية متجاورة، والمخطط التنظيمي ليس خطوطًا ملونة على ورقة. المدينة علاقة بين البيت والعمل، والمدرسة والطريق، والمستشفى والسكن، والحديقة والسوق، والمركز والأطراف.
وحين تختل هذه العلاقات، لا يعود الخلل هندسيًا فقط، بل يصبح اقتصاديًا واجتماعيًا وإنسانيًا.
المشكلة أقدم من الحرب
كثير من مدننا لم ينمُ وفق رؤية طويلة المدى، وإنما تمدد حول قرارات متراكمة: مديرية هنا، ومؤسسة هناك، ومبنى حكومي في قلب المدينة، ثم طريق نحاول توسيعه، وازدحام نبحث له عن موقف.
ولهذا، فإن إعادة الإعمار، إذا اقتصرت على إصلاح ما تهدّم وإعادة ما كان إلى مكانه، فقد تعيد إلينا المشكلات نفسها بأبنية أحدث.
فالخطأ العمراني لا يصبح صحيحًا لأننا أعدنا بناءه بالإسمنت الجديد.
لدينا اليوم في مراكز المدن السورية عقارات تشغلها وزارات ومديريات ومؤسسات أُنشئ بعضها حين كانت المدينة أصغر، وقيمة الأرض وحركة المرور وعدد المراجعين مختلفة.
لكن المدينة تغيّرت.
فهل يجب أن تبقى الوظيفة نفسها في المكان نفسه إلى الأبد؟
السؤال ليس فقط: كم تبلغ قيمة المبنى القائم؟ بل: كم تبلغ قيمة الأرض التي يشغلها، وما القيمة التي تحققها وظيفته للمدينة؟
فقد تحتل مؤسسة يمكن أن تؤدي عملها في مكان آخر واحدة من أثمن نقاط المدينة، وتجذب يوميًا مئات السيارات والمراجعين إلى منطقة لم تُصمم لهذه الحركة، ولا تملك طرقًا أو مواقف تستوعبها.
وهنا تصبح للأرض قيمة، وللوظيفة قيمة، وللازدحام والوقت والبنية التحتية كلفة، وللمكان استعمال بديل ربما يكون أكثر نفعًا للمدينة.
الاستملاك والمدينة
لا يمكن معالجة الأراضي المستملكة بشعار واحد: “أعيدوا الأراض” أو “احتفظوا بها”.
فأرض أصبحت طريقًا عامًا ليست كأرض استُملكت ولم يُنفذ المشروع عليها، ومدرسة يحتاجها الحي ليست كعقار تغيرت غايته.
لكن علينا أن نضيف سؤالًا آخر:
حتى عندما تحققت المنفعة العامة، هل ما زال موقعها الحالي هو الأفضل لتحقيقها اليوم؟
إذا أصبحت المنطقة قلبًا مكتظًا، وأمكن نقل الوظيفة العامة إلى موقع أفضل، فإن إعادة تقييم المكان لا تلغي المنفعة العامة، بل تعيد تعريفها.
وهنا تلتقي العدالة العقارية بالتخطيط العمراني.
الخريطة العمرانية الوطنية
قبل القرارات الكبرى، نحتاج إلى مشروع وطني رقمي:
الخريطة العمرانية الوطنية لسورية.
توضع عليها طبقات الملكيات والاستملاكات وأملاك الدولة، والمخططات التنظيمية واستعمالات الأراضي، والمؤسسات والمدارس والمشافي، والطرق وشبكات النقل، والكثافات السكانية والبنية التحتية، والمناطق المتضررة، والقيم العقارية، والأراضي غير المبنية، والمشاريع المستقبلية.
عندها لن يناقش القانوني ملفًا منفصلًا عن المهندس، ولن يخطط المهندس بعيدًا عن الاقتصادي.
سنرى المدينة كلها على شاشة واحدة قبل أن نضع حجرًا واحدًا على الأرض.
وعندها يمكن أيضًا دراسة نقل بعض المؤسسات من المراكز المكتظة إلى مراكز إدارية وخدمية جديدة مخططة منذ البداية: طرق وصول، ونقل عام، ومواقف، ومسارات للمشاة، ومساحات خضراء، وتوسع مستقبلي، ثم تأتي الأبنية.
والتحول الرقمي يستطيع أن يلغي جزءًا كبيرًا من رحلات المراجعين أصلًا.
فتصبح إعادة تنظيم الإدارة جزءًا من إعادة تنظيم المدينة.
وماذا عن الأراضي التي نخليها؟
ليست كل أرض حكومية نخليها مشروعًا تجاريًا ينتظر أعلى سعر.
المدينة ليست شركة عقارية.
قد تحتاج المدينة بعضها حديقة أو ساحة أو مدرسة أو موقفًا أو إسكانًا، ويمكن استثمار بعضها لتمويل البنية التحتية، بينما قد تحمل أخرى حقوقًا قديمة تستوجب إعادة الفحص أو التعويض أو إعادة الحق، حيث تسمح الحالة القانونية والعمرانية.
فالعقار هنا أداة لإعادة التوازن إلى المدينة، لا مجرد أصل للبيع.
ولهذا لا يجوز أيضًا معالجة كل عقار مستملك بمعزل عن محيطه؛ فالقرار في عقار قد يؤثر في شارع، والشارع في حي، والحي في مدينة.
نحتاج إلى سجل وطني موحد للاستملاكات وأملاك الدولة، مرتبط بالخريطة العمرانية، يوضح سبب الاستملاك، والتعويض، والغاية، والاستعمال الحالي، والقيمة، وإمكانية نقل الوظيفة أو إعادة الأرض أو تغيير استخدامها.
عندها يصبح القرار عادلًا لصاحب الحق، وعقلانيًا للمدينة في الوقت نفسه.
سورية شبكة مدن
ويبقى السؤال الأكبر:
كيف نوزع السكان والفرص في سورية نفسها؟
حين تتركز الوظائف والجامعات والإدارة والاستثمار والخدمات في مدينة أو مدينتين، يندفع الناس نحوهما، ثم ننفق الأموال لمعالجة الازدحام الذي صنعه هذا التركيز.
لذلك ينبغي النظر إلى سورية باعتبارها شبكة من المدن، لا مركزًا تحيط به الأطراف.
دمشق ليست سورية، وحلب ليست سورية، وبقية المدن ليست هوامش.
لكل منطقة قدرة على جذب السكان والاستثمار إذا وصلت إليها البنية التحتية والتعليم والعمل والخدمات.
فالتوازن العمراني يبدأ من التوازن في الفرص.
أبعد من 2030
المدن تعيش أطول من الحكومات.
ولهذا نحتاج إلى رؤية لسورية 2050، وربما 2075:
أين سيعيش السكان؟ أين ستكون مناطق العمل؟ أين تتوسع المدن؟ كيف تتحرك البضائع؟ أين نحمي الأراضي الزراعية؟ وأين تكون الصناعة والنقل والجامعات والمستشفيات؟
بل علينا أن نسأل أيضًا:
أين يجب ألا نبني إطلاقًا؟
ثم تأتي المخططات المحلية داخل هذه الرؤية، لا العكس.
قبل الإسمنت… البيانات
اعتدنا أن يبدأ المشروع بالحفارة، بينما المشروع الحديث يبدأ بالمعلومة.
قبل الطريق ندرس الحركة، وقبل الحي السكان، وقبل الاستملاك البدائل، وقبل بيع الأرض العامة احتياجات المدينة المستقبلية، وقبل السماح ببرج ندرس أثره على الطرق والمياه والصرف والكهرباء والمواقف والمشهد الحضري.
فالقرار الذي لا يرى المدينة كاملة قد يحل مشكلة عقار، ويخلق مشكلة جيل.
ربما هذه هي فرصة سورية
لدينا مدن متضررة، وحقوق ينبغي ردها، واقتصاد يحتاج إلى النهوض، ودولة تعيد بناء مؤسساتها.
لكن وسط ذلك كله توجد فرصة تاريخية: أن نتوقف قبل موجة البناء الكبرى، لا لنؤخر الإعمار، بل لكيلا ننفق أموال السوريين مرتين؛ مرة لنكرر أخطاء الماضي، ومرة لإصلاحها بعد عشرين عامًا.
إعادة الإعمار الحقيقية ليست أن نعيد الحجر إلى مكانه.
إنها أن نسأل:
هل كان مكانه صحيحًا؟
وحين يصبح لكل متر من أرض سورية جواب واضح: لمن هو؟ ماذا نفعل به؟ ولماذا؟ وما أثر القرار بعد خمسين عامًا؟
عندها فقط لن نكون قد أعدنا إعمار سورية.
سنكون قد بدأنا، للمرة الأولى، بتخطيطها.
وأضع هذه الرؤية على الطاولة
لا أضع هذه الأفكار، كمهندس، باعتبارها مخططًا مكتملًا، بل رؤية أولية بين أيدي أهل الاختصاص.
نحتاج إلى المعماري والمخطط العمراني والمهندس المدني ومهندس النقل، والقانوني والاقتصادي والجغرافي والبيئي، والمختصين بالعقار والإدارة المحلية والبنية التحتية والتراث، والجامعات والنقابات والبلديات وأصحاب الحقوق.
وربما نحتاج، قبل المؤتمرات واللجان، إلى شيء أبسط وأعمق:
طاولة مستديرة… وفي وسطها خريطة كبيرة لسورية.
نضع عليها ما نعرفه، ونعترف بما لا نعرفه، ثم نسأل:
أين أخطأنا؟ ماذا تحتاج مدننا؟ وأين نريد سورية بعد خمسين عامًا؟
سنختلف، وهذا جيد؛ لأن القانوني سيرى ما لا يراه المهندس، والاقتصادي سيضع كلفة ما نحلم به، وصاحب الحق سيذكرنا بأن وراء الخطوط والأرقام إنسانًا.
فالخريطة التي ستعيش عليها أجيال لا ينبغي أن يرسمها قلم واحد.
وأجدد الشكر للدكتورة المهندسة بتول عيسى على إثارة ملف الاستملاكات، الذي قادنا إلى هذا السؤال الأكبر، وأضع هذه الرؤية بين أيدي أهل الاختصاص ليناقشوها ويصححوها ويضيفوا إليها، وربما يهدموا بعض أفكارها ليبنوا أفضل منها.
فالأوطان لا تحتاج دائمًا إلى أجوبة جاهزة.
أحيانًا تحتاج أولًا إلى السؤال الصحيح على الطاولة:
قبل أن نعيد بناء ما تهدّم… هل رسمنا سورية التي نريد أن نورثها لمن سيأتي بعدنا؟
يتبع…
موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

