آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » أقراص عيد السوريين

أقراص عيد السوريين

بقلم المحامي محمد مهنا

 

 

اعتدنا نحن السوريين، تاريخيًا، على عادة جميلة تتكرر مع كل عيد، وهي إعداد أقراص العيد، وهي عادة عرفناها لدى مختلف الطوائف والقوميات والمذاهب والمكونات الاجتماعية السورية.

ولكل مكوّن قرصه الخاص، وحشوته التي تميزه، وقوالبه التي تحمل شيئًا من ذاكرته وثقافته وخصوصيته. وتختلف هذه القوالب والرموز من مكوّن إلى آخر، فتغدو قطعة العجين أكثر من مجرد طعام؛ إنها حكاية صغيرة تختصر تاريخًا وذاكرة وهوية.

لكن اللافت أن العجينة واحدة.

قد تختلف الحشوات والأشكال والرموز، لكن الأصل واحد، والفرح واحد، والعيد واحد.

وهنا تكمن، في رأيي، واحدة من أجمل الصور التي يمكن أن نراها في المجتمع السوري.

فجمال هذه الأقراص لا يكتمل إلا بتنوعها، وكذلك نحن السوريين.

لقد كنا وما زلنا مجتمعًا متنوعًا في أديانه وطوائفه ومذاهبه وقومياته ومناطقه وعاداته وتقاليده. وهذا التنوع لم يكن يومًا عيبًا، بل كان واحدًا من مصادر غنى سوريا وجمالها.

فالسوري لا يحتاج إلى أن يتخلى عن خصوصيته كي يكون سوريًا، ولا يحتاج إلى أن يجعل الآخر نسخة عنه حتى يشعر بالأمان.

ليس مطلوبًا منا أن نتفق في كل شيء، وإنما أن نختلف دون أن نتحول إلى أعداء، وأن نحافظ على خصوصياتنا دون أن نجعل منها أسبابًا للقطيعة والإقصاء.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لنا أن يتحول التنوع من نعمة إلى سبب للخصومة، وأن تتحول الاختلافات التي كان ينبغي أن تكون مصدر غنى إلى أدوات للتقسيم.

فالوطن لا يقوم على تشابه أبنائه، بل على قدرتهم على العيش مع اختلافهم.

ولا يفسد للود قضية فيما لو تناول كل منا الصنف الذي يحب، طالما بقي الاحترام والمحبة، وطالما أدركنا أن الاختلاف في العادات والمعتقدات والأذواق لا يعني الاختلاف في الانتماء إلى الوطن.

لقد أثبتت الأيام أن ما يجمع السوريين أكبر بكثير مما يفرقهم، وأن سوريا لم تكن يومًا لونًا واحدًا أو ثقافة واحدة، بل كانت دائمًا مساحة واسعة لتجاور الثقافات والأديان والقوميات والمذاهب.

ولذلك، فإن خوفي الحقيقي ليس من اختلاف الأقراص، بل من أن يأتي يوم نجد فيه أنفسنا أقراص عيد على موائد الآخرين؛ تُستخدم اختلافاتنا لتفريقنا، ونصبح غرباء عن بعضنا في وطن يتسع للجميع.

وما زالت الفرصة سانحة أمامنا لتفادي ذلك، بمحبتنا لبعضنا، واحترام خصوصيات بعضنا، والاقتداء بأولئك الذين عرفوا كيف يوحدون ولا يفرقون.

فلنجعل من اختلافنا تنوعًا لا انقسامًا، ومن خصوصياتنا جمالًا لا متاريس.

ولنعلم جميعًا أن الوطن أكبر من كل انتماء ضيق، وأن أجمل الأعياد هو العيد الذي يتسع للجميع.

وكل عيد وأنتم وسوريا بألف خير

(أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مجتمع الحيوان.. هل أصبح أكثر رحمة من الإنسان؟

  سمير حماد   هل نبتعد عن الحقيقة إذا قلنا إن في عالم الحيوان صورًا من الرحمة والتكافل قد يخجل منها بعض البشر؟   ربما ...