آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » الشرق الأوسط… حين يكثر “المنتصرون”ويغيب النصر!

الشرق الأوسط… حين يكثر “المنتصرون”ويغيب النصر!

 

بقلم: المهندس محمود محمد صقر

 

ضعوا أمامكم خريطة الشرق الأوسط عام 1979.

 

تأملوها قليلًا.

 

البحار في أماكنها، والجبال لم تتحرك، والمدن الكبرى ما زالت تحمل أسماءها، وحتى معظم الحدود بقيت حيث رسمها التاريخ.

 

ومع ذلك، مرَّ من فوق هذه الخريطة نصف قرن كأنه عدة قرون.

 

حروبٌ انتهت لتبدأ أخرى، وتحالفاتٌ وُلدت ثم انقلبت، وعواصم صعدت وأخرى انكفأت، وجيوش عبرت الحدود، وقوى خرجت من خارج الدول لتصبح أحيانًا أقوى من الدولة نفسها.

 

وفي كل مرة تقريبًا، كان هناك من يعلن النصر.

 

انتصر من بقي.

 

وانتصر من ردع.

 

وانتصر من أسقط خصمه.

 

وانتصر من منعه من إسقاطه.

 

وانتصر من أغلق الطريق، ومن فتحه، ومن امتلك القدرة على إغلاقه متى شاء.

 

حتى امتلأت منطقتنا بالمنتصرين…

 

وامتلأت، في الوقت نفسه، بالخسائر.

 

وهنا تبدأ المفارقة.

 

ربما أخطأنا طويلًا في تعريف القوة؛ فقد حسبنا قدرة الإنسان على إيذاء خصمه، ولم نحسب دائمًا قدرته على تحسين حياة شعبه.

 

فالذي يستطيع إحراق مدينة يملك قوة.

 

والذي يستطيع تعطيل بحر يملك قوة.

 

والذي يجعل خصمه يخشاه يملك قوة.

 

لكن هناك قوة أصعب:

 

أن تجعل ابنك يريد البقاء في وطنه.

 

أن تكون جامعتك أقوى من جبهتك، وعملتك أكثر طمأنينة من خطابك، ومدينتك أكثر جذبًا للإنسان من المطار الذي يغادر منه.

 

هنا يفترق الصمود عن النصر.

 

الصمود أن تمنع الآخر من إسقاطك.

 

أما النصر، فأن تنجو من المعركة من دون أن تخسر المستقبل الذي خضت المعركة من أجله.

 

لقد أتقن الشرق الأوسط، خلال نصف قرن، صناعة قوة التعطيل: كيف نغلق طريقًا، ونهدد ممرًا، ونربك اقتصادًا، ونستنزف خصمًا، ونحوّل الجغرافيا إلى ورقة ضغط.

 

لكن تعطيل الطريق لا يبني طريقًا.

 

وإيلام خصمك لا يشفي جرحك.

 

وأن تستطيع قلب الطاولة لا يعني أنك تعرف ماذا ستضع عليها بعد ذلك.

 

ليست القوة أن تستطيع إحراق الطاولة؛ بل أن تجعل الآخرين يريدون الجلوس معك حولها.

 

لهذا، ربما لا تكفي خرائط المحاور القديمة لفهم ما يجري اليوم.

 

قد نكون أمام نهاية زمن كان يسأل: من يستطيع إخافة الآخر؟

 

وبداية زمن سيسأل سؤالًا أشد قسوة:

 

من يستطيع أن يبني شيئًا يستحق البقاء؟

 

وعندما نعود إلى خريطة 1979 بعد كل هذه السنوات، لن يكون السؤال الأهم: كم مرة تغيّر ميزان القوة؟

 

بل:

 

بعد نصف قرن من الحروب والصمود والردع والانتصارات المعلنة… أيُّ شرق أوسط صنعنا؟

 

فالتاريخ لا يسأل المنتصرين فقط عمّن هزموه.

 

يسألهم أيضًا:

 

ماذا بنيتم بعد أن انتصرتم

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

العدو رقم واحد – الشريك رقم واحد!

كتب: محمد خير الوادي     لعل أهم حدث ستشهده قمة “بريكس” التي ستبدأ أعمالها غداً في الهند، يتجلى في الزيارة المهمة التي سيقوم بها ...