آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » الشرق الأوسط بعد الحرب: أي نظام إقليمي؟

الشرق الأوسط بعد الحرب: أي نظام إقليمي؟

د. سلمان ريا

 

 

لم تعد الحرب الأميركية الإيرانية مجرد مواجهة بين دولتين كبيرتين في الشرق الأوسط. بعد أشهر من القتال، بدأت آثارها تعيد رسم حسابات الدول المحيطة بها، وتعيد طرح السؤال الذي ظل مؤجلاً طويلاً: إذا تغير ميزان القوة، فمن سيصوغ النظام الإقليمي الذي سيأتي بعده؟

هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحاً لأن الحرب لم تبقَ في حدود إيران. امتدت تداعياتها إلى الخليج والبحر الأحمر واليمن، وأدخلت السعودية وتركيا وباكستان ومصر في حسابات أمنية أكثر تعقيداً. وفي الأيام الأخيرة، تحوّل التقدم الحوثي في اليمن والسيطرة على مواقع قريبة من باب المندب إلى عامل جديد في معادلة الأمن الإقليمي، بينما بدأت دول المنطقة تتحرك بصورة أكثر وضوحاً لحماية مصالحها ومواجهة مخاطر اتساع الحرب.

الأهم من ذلك أن دول الشرق الأوسط باتت تواجه حقيقة يصعب تجاهلها: الاعتماد على قوة خارجية واحدة لا يوفر بالضرورة الأمن عندما تتسع الحرب وتتشابك ساحاتها. فالولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأبرز في المنطقة، لكن قدرتها على إدارة كل الجبهات في وقت واحد أصبحت موضع اختبار. وفي المقابل، لم تعد الدول الإقليمية مستعدة لأن تنتظر دائماً ما ستفعله واشنطن قبل أن تحدد خياراتها.

وهنا يمكن فهم التحركات الجديدة بين السعودية وتركيا وباكستان، وكذلك التنسيق المصري معها. فقد عقد وزراء خارجية الدول الأربع اجتماعاً في نيويورك، وأكدوا دعمهم لحق السعودية في الدفاع عن نفسها، وضرورة حماية الملاحة، والدفع نحو الحلول الدبلوماسية. هذه الخطوة لا تعني بالضرورة نشوء محور متماسك، لكنها تكشف عن رغبة متزايدة في بناء قدرة إقليمية على التعامل مع المخاطر بعيداً عن الاعتماد الكامل على الخارج.

لكن بناء نظام إقليمي جديد ليس مسألة تحالفات عسكرية فقط. فالمصالح بين هذه الدول ليست متطابقة، وأولوياتها مختلفة. السعودية تنظر إلى أمن الخليج والطاقة واليمن، وتركيا تملك حساباتها الخاصة في سوريا والعراق وشرق المتوسط، ومصر تحمل ملفات غزة والسودان وليبيا وأمن البحر الأحمر، بينما تحتفظ باكستان باعتبارات جنوب آسيا وعلاقتها بإيران والهند. ولذلك فإن أي ترتيبات أمنية جديدة ستبقى معرضة للاختبار ما لم تتحول من تفاهمات ظرفية إلى قواعد واضحة لإدارة الخلافات.

وفي الجهة الأخرى، تواجه إيران سؤالاً أصعب من مجرد كيفية مواصلة الحرب. فحتى إذا تمكنت من الحفاظ على أدوات نفوذها الإقليمية، فإن اتساع المواجهة وارتفاع كلفة تعطيل الممرات البحرية يضعانها أمام معادلة جديدة: كيف تحافظ على قدرتها على الردع من دون أن يتحول الردع نفسه إلى عزلة إقليمية أوسع؟

أما إسرائيل، فإن الحرب لا تمنحها بالضرورة النظام الإقليمي الذي تريده. فقد يؤدي إضعاف خصم إقليمي إلى إعادة توزيع القوة، لكنه لا يحسم وحده علاقة إسرائيل بجيرانها ولا يحدد شكل الأمن في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط.

لذلك تبدو المنطقة أمام مرحلة انتقالية أكثر منها أمام نظام جديد مكتمل. لا يوجد حتى الآن مركز واحد قادر على إدارة الشرق الأوسط، ولا تحالف واحد قادر على احتكار الأمن، ولا دولة تستطيع تجاهل الآخرين. وهذه ربما تكون السمة الأبرز للمرحلة المقبلة: تعدد مراكز القوة، وتداخل المصالح، وازدياد أهمية التفاهمات الإقليمية.

لكن التعدد يمكن أن يقود إلى توازن، كما يمكن أن يقود إلى مزيد من الفوضى. الفارق بين الاثنين هو وجود قواعد تمنع الصراع من التحول إلى مواجهة مفتوحة في كل مرة تتغير فيها موازين القوة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد هذه الحرب ليس من انتصر ومن خسر، بل من يستطيع أن يبني قواعد العيش في اليوم التالي. فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى إعادة توزيع النفوذ فقط، بل إلى إعادة تعريف الأمن نفسه.

وإذا كانت الحروب السابقة قد غيرت خرائط المنطقة، فإن الحرب الحالية قد تكون بصدد تغيير الطريقة التي تبحث بها دولها عن الأمان. وعند هذه النقطة تحديداً، لن يكون مستقبل الشرق الأوسط مرهوناً بما تفعله القوى الكبرى وحدها، بل بما تستطيع دوله نفسها أن تبنيه من توازنات وقواعد.

فالنظام الإقليمي الجديد لن يولد يوم تتوقف الصواريخ، بل يوم تعرف دول المنطقة كيف تمنع عودتها.

(أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

انتهى دورنا… فلنترك المجال لغيرنا 

    بقلم:القاضي المتقاعد حسين حمادة مدير المركز السوري للدراسات القانونية   للحياة دورة معروفة: ولادة – حياة – موت، كما للكون دورات انقراض تطال ...