عدنان كامل الشمالي
يكفي أن نتجول في بعض شوارع مدننا وحاراتنا لنصطدم بمشهد لا يحتاج إلى كثير من الوصف: أكوام من القمامة على الأرصفة، وأكياس نفايات متناثرة عند زوايا الطرق، وروائح تزكم الأنوف، ومشاهد تسيء إلى العين والصحة معاً. مشهد يثير الأسى، ويطرح سؤالاً لا يجوز تجاهله: كيف نقبل أن تتحول الأماكن التي نعيش فيها إلى مكبات مفتوحة للنفايات؟
إنها صورة عن علاقتنا بالمكان الذي نعيش فيه، وعن مستوى وعينا بمسؤوليتنا تجاه مجتمعنا، وعن الفارق بين ما نقوله وما نمارسه. فالحضارة ليست أبنية مرتفعة وشوارع معبّدة وواجهات جميلة فحسب؛ الحضارة أيضاً سلوك يومي، واحترام للفضاء العام، وشعور بأن الشارع ملك للجميع، وأن المحافظة عليه مسؤولية لا تقل أهمية عن المحافظة على بيوتنا.
والسؤال المؤلم: لماذا نحرص على نظافة بيوتنا، ثم لا نتردد في إلقاء نفاياتنا خارج أبوابها، وكأن نظافة المنزل تتحقق على حساب اتساخ الشارع؟ أليس الطريق امتداداً لبيوتنا، والحي جزءاً من حياتنا، والمدينة بيتنا الكبير؟
البلدية مسؤولة، ولكنها ليست وحدها المسؤولة.
لا يمكن تبرئة الجهات المعنية بالنظافة من مسؤولياتها. فمن واجب البلديات جمع النفايات بانتظام، وتأمين الآليات اللازمة، ومراقبة أماكن تجمعها، ومعالجة الاختلالات التي تحوّل الشوارع إلى بؤر للتلوث. ومن الإنصاف أيضاً الإقرار بأن بعض البلديات تواجه صعوبات حقيقية تتعلق بنقص العمال والآليات والوقود والإمكانات المالية، وهي عوامل قد تعيق أداءها وتحدّ من قدرتها على الاستجابة لجميع الاحتياجات.
لكن الاعتراف بهذه الصعوبات لا يعني التسليم بالواقع، كما أن مطالبة البلدية بأداء واجبها لا تعفي المواطن من واجبه.
فماذا تفعل البلدية إذا جمع عمالها النفايات صباحاً، ثم عاد بعض المواطنين لإلقائها عشوائياً في المكان نفسه؟ وما جدوى تخصيص حاويات للنفايات إذا كان البعض يترك أكياسه خارجها، أو يرمي مخلفاته في الطرقات والأراضي الفارغة، أو يتخلص منها في أوقات لا تتناسب مع مواعيد جمعها؟
إن المواطن الذي يطالب بشارع نظيف، ثم يساهم بيده في تلويثه، يناقض مطلبه بسلوكه. ولا يمكن أن نحمّل جهة واحدة مسؤولية مشكلة تتداخل فيها الإدارة مع الثقافة والتربية والسلوك الفردي.
المشكلة أعمق من كيس قمامة.
إنها مشكلة وعي لم يتحول بعد إلى ممارسة ثابتة، وتربية لم تنجح دائماً في جعل النظافة جزءاً من السلوك العام، وشعور بالمسؤولية تجاه الممتلكات والمرافق المشتركة لا يزال بحاجة إلى ترسيخ.
لقد اعتدنا سماع الشعارات وقراءة الإرشادات التي تدعو إلى النظافة، ونشهد بين الحين والآخر حملات للتوعية، لكن السؤال هو: كم من هذه الدعوات تحوّل إلى سلوك دائم؟ وكم من المخالفين غيّروا عاداتهم لمجرد قراءة عبارة على جدار أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي؟
لا تكفي الشعارات وحدها لتغيير واقع اعتاد عليه البعض، ولا تكفي حملات التنظيف المؤقتة إذا كانت الأماكن التي نُظّفت ستعود إلى حالها بعد أيام. فالمشكلة لا تُحلّ بإزالة آثارها فقط، بل بمنع تكرار أسبابها.
وهنا نصل إلى الحل: القانون الذي يُطبّق، لا الذي يُكتب فقط.
إن وجود قانون واضح يحدد واجبات المواطن والبلدية، ويفرض غرامات متناسبة ورادعة على المخالفين، ويضمن تطبيقها بعدالة ومن دون استثناءات، خطوة أساسية في معالجة هذه المشكلة. فحين يعرف المواطن أن إلقاء النفايات في الشارع سيترتب عليه إجراء فعلي، وأن المخالفة لن تمرّ من دون مساءلة، يصبح أكثر حرصاً على الالتزام.
الصرامة المطلوبة هي صرامة في تطبيق القانون على الجميع، وفي الوقت نفسه صرامة في إلزام الجهات المعنية بأداء واجباتها.
إلى جانب ذلك، لا بد من توفير حاويات كافية في الأماكن المناسبة، وتنظيم مواعيد جمع النفايات والإعلان عنها بوضوح، وتكثيف الرقابة على المواقع التي تتكرر فيها المخالفات، وإطلاق برامج توعية مستمرة تبدأ من المدرسة والأسرة، ولا تنتهي عند المؤسسات العامة.
إن النظافة ليست مسؤولية البلدية وحدها؛ إنها حق عام وواجب مشترك.
وحين نطالب بمدن نظيفة، فإننا لا نطالب بمشهد أجمل فحسب، بل ببيئة صحية، وحياة أكثر احتراماً للإنسان، وصورة تليق بنا وبأبنائنا. فالنفايات المتراكمة لا تسيء إلى المكان وحده، بل قد تجذب الحشرات والقوارض، وتؤدي إلى تلوث البيئة، وتنعكس آثارها على صحة الناس وجودة حياتهم.
أما الإيمان الذي نعتز به، فلا ينبغي أن يبقى عبارة نرددها في المناسبات، بل قيمة تظهر في تصرفاتنا، وفي احترامنا لحقوق الآخرين، وحرصنا على ألا نؤذيهم بسلوك يمكن تجنبه. فليس من المنطقي أن نرفع شعار «النظافة من الإيمان»، ثم نترك وراءنا ما يناقض معناه.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الشعارات بقدر حاجتنا إلى إرادة حقيقية، وبلديات تؤدي واجباتها ضمن الإمكانات المتاحة، ومواطن يدرك أن حريته تنتهي عند الإضرار بحقوق الآخرين، وقانون يحمي المصلحة العامة ويُطبّق على الجميع.
إن تنظيف الشوارع يبدأ من عمال النظافة، لكنه لا ينتهي عندهم. يبدأ من قرار إداري جاد، ويُستكمل بمواطن مسؤول، وتضمن استمراره رقابة فاعلة وقانون لا يعرف الاستثناءات.
فإذا أردنا مدناً نظيفة تليق بنا، فلنبدأ بتغيير سلوكنا، ولنطالب في الوقت نفسه بمؤسسات تؤدي واجباتها. فالحضارة لا تُقاس بما نبنيه فقط، بل بما نحافظ عليه.
-الصور:من بلدة دوير الشيخ سعد



(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
