الرئيسية » كلمة حرة » دمشق التي بقيت في الذاكرة … سقوط قبل النهاية (3) حين أصبح الولاء ضمانة للاستقرار!

دمشق التي بقيت في الذاكرة … سقوط قبل النهاية (3) حين أصبح الولاء ضمانة للاستقرار!

 

المهندس محمود محمد صقر

 

ثمة أنظمة لا تحب المفاجآت في كل مفاصل الإدارة، حتى في الانتخابات.

 

كان لكل شيء حسابه: الحزب، والجبهة، والمستقلون، وحتى التوازنات بين مكونات المجتمع. وفي مراكز الاقتراع، كانت القوائم المعروفة تختصر على الناخب عناء التفكير والاختيار. أما مجلس الشعب، فكانت له حكاية تشبهها.

 

كان للمواطن حق الانتخاب، وللمسؤول حق الاطمئنان إلى النتيجة. وهكذا تصالح الحقان، وعاشا سنوات طويلة في وئام؛ وحده المواطن كان يظن أن صوته هو الذي يقرر!

 

ولم تكن هذه عبقرية انتخابية فحسب، بل جزءًا من منظومة إدارية أوسع، لكل شيء فيها مكانه المحسوب، حتى المفاجآت كان ينبغي أن تحصل على موافقة مسبقة.

 

ففي مفاصل الإدارة، تقدّم الولاء على الكفاءة، والطاعة على المبادرة، ورضا المسؤول على قدرة الموظف على أداء المسؤولية. لم تكن الكفاءة ممنوعة، حاشا لله! كانت مطلوبة، لكن يُفضّل أن تأتي مصحوبة بولاء يطمئن إليه المسؤول. أما الكفاءة التي تفكر بصوت مرتفع، فقد كانت تسبب بعض الإزعاج، والإدارة لا ينقصها وجع الرأس.

 

ومع مرور السنوات، صار الطريق إلى الموقع العام لا يمر دائمًا عبر الخبرة والإنجاز، بل عبر شبكة من الولاءات. أما من يصرّ على تسمية الخطأ باسمه، فقد يكتشف أن المؤسسة تحتاج إلى خبرته، ولكنها تفضّل الاحتفاظ بها بعيدًا عن القرارات.

 

وهكذا، لم يكن مطلوبًا أن يكون الجميع فاسدين؛ كان يكفي أن يعرف النزيه حدود نزاهته، وأن يعرف المعترض حدود اعتراضه، وأن يعرف صاحب المصلحة الطريق إلى من يستطيع مساعدته. ولكل شيء أصوله، حتى ما لا أصل له!

 

ومع غياب المحاسبة الحقيقية، لم يعد الفساد مجرد خلل في بعض الأشخاص، بل أصبح قادرًا على الاحتماء بمنظومة تضيق بمن يحاول إصلاحها. فالخطأ قد يبدأ صغيرًا، لكن حمايته تحتاج إلى أبواب كثيرة، وكل باب له مفتاح، وكل مفتاح له صاحبه.

 

أما الانتماءات الاجتماعية والطائفية، فلم تبقَ خارج الحسابات. استُخدمت في تثبيت الولاءات وتوزيع النفوذ، حتى اختلط على الناس أحيانًا الفرق بين الانتماء إلى المجتمع والانتماء إلى شبكة المصالح.

 

لكن الطائفة لم تكن سلطة، ولم يكن أبناؤها جميعًا شركاء في امتيازاتها. اقترب بعضهم من مراكز القوة والثروة، فيما بقي آخرون فقراء، ودفع كثيرون من مختلف مكونات المجتمع أثمانًا باهظة.

 

كانت المشكلة أن يصبح الانتماء جواز مرور لبعضهم، وأن يُطلب من الآخرين إثبات ولائهم مرة بعد أخرى، وكأن المواطنة امتحان لا تنتهي دوراته، والنتيجة فيه مقررة سلفًا!

 

ثم جاءت أحداث حماة عام 1982، بما خلّفته من دم وخراب وخوف امتد أثره سنوات طويلة.

 

ومنذ ذلك الوقت، أصبح الصمت، لدى كثيرين، أكثر أمانًا من السؤال، وأقل كلفة من الاعتراض. فالإنسان الذي يخشى على حياته وأهله لا يحتاج إلى من يشرح له فضائل الصمت؛ تكفيه معرفة ثمن الكلام.

 

لكن حماة لم تكن وحدها تحت الرماد.

 

ففي لبنان، حيث دخلت القوات السورية عام 1976، تمدد النفوذ الأمني والسياسي والاقتصادي، ونشأت شبكات مصالح تجاوزت الحدود، وتداخلت فيها السلطة والمال والتهريب والاقتصاد غير الشرعي.

 

وهناك، لم تعد الحكاية حكاية جنود وحدود وسياسة فقط؛ فقد أصبحت مناطق النفوذ أيضًا أبوابًا للثروة، ووجد بعض أصحاب المواقع في السلطة ما يتجاوز واجبات الوظيفة إلى امتيازات لا يحلم بها أصحاب الوظائف أنفسهم.

 

أما المواطن، فكان عليه أن يتعلم الاقتصاد على طريقته: يدفع ما عليه، وينتظر ما له، ويحاول أن يفهم كيف يستطيع بعض الناس أن يربحوا من كل الظروف، بينما لا يستطيع هو أن يربح من يومه!

 

وتداخلت هذه المصالح مع التحالفات الإقليمية، ومنها العلاقة مع إيران وحزب الله، في شبكة من النفوذ الأمني والسياسي والاقتصادي امتدت آثارها إلى الداخل السوري واللبناني.

 

ولم تكن المشكلة في التحالفات وحدها، بل في أن تتحول الدولة وأجهزتها إلى أدوات لمصالح لا تخضع لمحاسبة عامة واضحة. فالدولة التي يُفترض أن تحمي القانون لا تستطيع أن تطلب من الناس احترامه، إذا كان القانون نفسه يبدو أكثر صرامة كلما ابتعدنا عن أصحاب النفوذ، وأكثر مرونة كلما اقتربنا منهم.

 

وهكذا، كانت الشوارع هادئة، والمؤسسات مفتوحة، والموظفون في مكاتبهم، والحياة مستمرة. مشهد يوحي بأن الأمور تسير على ما يرام، لولا أن الهدوء لا يخبرنا دائمًا بما يجري تحت سطحه.

 

فقد يكون الهدوء علامة رضا، وقد يكون علامة تعب، وقد يكون أحيانًا أن الناس تعلموا أن الكلام لا يغيّر شيئًا، وأن الصمت أقل كلفة.

 

وليس كل مجتمع صامت مجتمعًا مقتنعًا؛ بعض المجتمعات تصمت لأنها لم تعد تعرف كيف تتكلم من دون أن تدفع الثمن.

 

وفي الوقت الذي كانت فيه البلاد تواصل حياتها، والحكم يبدو ثابتًا، كانت السلطة تفكر في ضمان استمرارها.

 

انتقل مشروع التوريث من الابن الأكبر إلى الابن الآخر بعد وفاة الأول. مات الابن، فانتقل المشروع إلى أخيه، واستمرت الترتيبات، وكأن الدولة شركة عائلية، تعالج شؤون خلافة إدارتها عند حدوث أي طارئ.

 

وحدها الدولة لم يُسأل رأيها في المسألة، مع أنها صاحبة الأرض، وصاحبة المؤسسات، وصاحبة الملايين الذين سيعيشون تحت حكم الوريث!

 

ولعل المفارقة أن السلطة التي لم تكن تثق بمفاجآت صندوق الانتخاب، أرادت أيضًا أن تضمن مفاجآت المستقبل. رتّبت الحاضر، وحاولت ترتيب الغد، وضيّقت مساحة الاختلاف، وكأنها تستطيع بذلك أن تجعل التاريخ موظفًا آخر في مؤسساتها.

 

لكن التاريخ، لسوء الحظ، لا يراجع قراراته مع الجهات المختصة قبل تنفيذها!

 

وهكذا، بدا الاستقرار من الخارج متينًا، فيما كانت قدرة الدولة على تصحيح أخطائها تتراجع من الداخل. لم يكن السقوط قد وقع، ولم تكن كل تفاصيله حتمية، لكن أسباب الضعف كانت تتراكم، بينما كانت السلطة تزداد اطمئنانًا إلى أنها أحكمت إغلاق الأبواب.

 

وهنا نعود إلى دمشق، التي أحببناها، لا لنسأل كيف سقط الحكم في لحظته الأخيرة فحسب، بل كيف أمضى سنوات طويلة وهو يضيّق على نفسه منافذ الإصلاح، حتى صار الحفاظ على صورة الاستقرار أهم من إصلاح ما يتصدع تحته.

 

فالدولة لا تضعف فقط حين تخسر معركة، أو تتعثر في اقتصادها، أو تواجه أزمة سياسية؛ قد تبدأ خسارتها يوم تصبح المؤسسات مشغولة بإرضاء السلطة أكثر من انشغالها بخدمة المجتمع، ويصبح الولاء أهم من الكفاءة، والصمت أكثر أمانًا من الحقيقة، ومستقبل البلاد موضوعًا للترتيب داخل العائلة.

 

وعندها، قد تنجح السلطة في منع المفاجآت سنوات طويلة، لكنها لا تستطيع أن تلغي تراكم الأخطاء، ولا أن تضمن أن يبقى الصمت إلى الأبد.

 

فالسقوط لا يبدأ دائمًا يوم تنهار الجدران؛ أحيانًا يبدأ يوم يطمئن من بداخلها إلى أنها لن تنهار أبدًا.

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خيانة المثقفين وأنماطهم… وهل مثقفنا بخير؟

مالك صقور     يجري الحديث بين الحين والآخر عن المثقف ودوره في نشر الثقافة، وعن دوره في المجتمع. ربما انطلاقًا من مقولة: «وفي الليلة ...