الرئيسية » ثقافة وفن » المشاركة السورية في معرض الشارقة الدولي للكتاب: من عراقة التكوين إلى كونية الحكاية

المشاركة السورية في معرض الشارقة الدولي للكتاب: من عراقة التكوين إلى كونية الحكاية

بقلم: علي نفنوف

 

الشارقة

 

أن أجد نفسي وسط زحمة العناوين والدواوين والروايات والأدباء والمفكرين، أن أجد نفسي في هذا العالم الحي الذي يتنفس فكراً ومعرفةً وعطاءً… إنها عودة الروح… إنها نبوءة الفينيقي الحالم بالنهوض…

مع افتتاح الدورة الـ45 من معرض الشارقة الدولي للكتاب (2026)، شهد مركز إكسبو الشارقة لحظة تلاحم فكري عارم، انعقدت تحت شعار «من صنع الحكايات». وقفتُ والبهجة تملأ روحي، وأنا أراقب الشارقة وهي تُحوّل الحكاية من همس فردي إلى وثيقة حضارية جامعة؛ تجمع 126 دولة و3212 ناشراً وعارضاً، يفرشون للمستقبل أكثر من 1.7 مليون عنوان، في تظاهرة تختزل ملامح الحراك الفكري الإنساني المعاصر.

لكن اللحظة التي سكنت وجداني، وتجاوزت حدود التغطية إلى التأثر الأدبي الخالص، كانت اللحظة التي اعتلى فيها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي المنصة، وإلى جانبه ابنته الشيخة بدور. في كلمته، ركّز حاكم الشارقة على مبدأ أن «خدمة الإنسان تبدأ بالعناية بعقله وتنمية وعيه»، معلناً تدشين 143 مجلداً من «الموسوعة العربية الشاملة في العلوم والآداب والفنون والأعلام»، التي شارك فيها أكثر من 1500 متخصص عالمي. وما إن بدأت الشيخة بدور كلمتها حتى تحوّل الفضاء إلى بؤرة من المشاعر الدافئة، حين مزجت بين لغة المؤسسة وهيبة البنوة، مسترجعةً مشاهد والدها وهو ينقّب في الوثائق الأصلية ليصنع هذا الصرح، قائلةً: «والدي.. اليوم حين أرى أجيالاً تقرأ وتكتب وتنشر، أعرف أن حكايتك أصبحت حكاية أجيال وحكاية وطن». وفي أروقة المعرض، برزت إصدارات لافتة، ككتاب سموّه الأحدث «البرتغاليون في المحيط الهندي»، وتكريم المفكر المغربي الدكتور سعيد يقطين شخصيةً للعام الثقافية، وفوز رواية «الشتاء الكبير» للبناني أنطوان الدويهي بجائزة الرواية العربية.

الحضور السوري

وسط هذا الزخم الفكري والمعرفي، تجلّت المشاركة السورية في الدورة الـ45 كعصب أساسي يرفد المعرض بالعمق المعرفي والأدبي الأصيل، لتؤكد صمود الناشر والمبدع السوري وقدرته المستمرة على العطاء العابر للحدود. ورغم تحديات الشحن والظروف اللوجستية المعقدة، فرضت دور النشر السورية حضورها الفاعل تحت مظلة تنسيقية من «اتحاد الناشرين السوريين»، لتقديم تنوع فكري متميز في صالات العرض. حيث سجلت «دار صفحات للدراسات والنشر» حضوراً لافتاً في جناح (2B6)، عبر خطة نشر تركز على الدراسات السردية المقارنة والترجمات الفلسفية المعاصرة. وشاركت «دار التكوين» بتركيزها المعهود على رفد المكتبة بالعلوم الإنسانية والكتب الفلسفية التنويرية، بينما أفردت «دار نور حوران للدراسات والنشر والتوزيع» أجنحة غنية بالدراسات التاريخية وتوثيق التراث الجغرافي لبلاد الشام والجزيرة العربية، وتكامل المشهد بحضور «دار الأيام» و«دار النمير» و«دار كيوان»، التي لاقت أجنحتها إقبالاً كثيفاً على الروايات والدراسات السياسية الحديثة.

ولم يقتصر الحضور السوري على الكتب الفكرية، بل شهد هذا العام قفزة نوعية في قطاع أدب الطفل، تمثلت في تصاعد المشاركات السورية في «جائزة اتصالات لأدب الطفل العربي» لتصل إلى 11 مشاركة رسمية، مقارنةً بـ3 مشاركات فقط في الأعوام السابقة، مما يعكس تزايد الاهتمام بصناعة المحتوى البصري والتفاعلي الموجّه للأجيال الجديدة.

وعلى صعيد الحضور الأدبي والإنساني، تحركت القامات السورية في فضاء المعرض لتصنع حواراً حياً مع الجمهور العربي والعالمي. حيث حظيت الجلسات الحوارية للروائية السورية-الكندية «زلفا قطوح» بزخم جماهيري وإعلامي استثنائي، ناقشت خلالها تجربتها الفريدة في العبور بالرواية السورية إلى العالمية، ومخاطبة القارئ الغربي حول ثنائيات الهوية والفقد وتأثير الجرح السوري في إعادة تشكيل سرديات الأدب الإنساني.

وفي فضاء النقد، قاد الأديب والناشر «ثائر زين الدين» ندوات فكرية رفيعة المستوى لتفكيك واقع حركة النشر المعاصرة وقراءة مستجدات المشهد الفكري. وفي زاوية مغايرة تعكس القوة الناعمة السورية بوصفها إرثاً حضارياً، استضاف ركن الطهي العالمي الشيف السوري «محمد أورفلي» في جلسات تجاوزت إعداد الأطباق إلى تقديم قراءة أنثروبولوجية في «سيكولوجيا النكهة السورية»، وتوثيق ثقافة الطعام الدمشقية والحلبية، كسفير ثقافي يروي حكايات الهجرة والاندماج.

ولعل الالتفاتة الأكثر عمقاً وتأثيراً في المعرض تجسدت في التكريم المعنوي غير التقليدي لرمز قصيدة النثر السورية، الشاعر الراحل «رياض الصالح الحسين»، حيث تبنى المعرض إطلاق مشروع ريادي متمثل في كتاب صوتي مبتكر (Audiobook)، يضم أعماله الكاملة وسيرته الإبداعية، ليمنح الخلود لقصائد هذا الشاعر الأصيل الذي صاغ حكاية وطنه بدمه وأعصابه، تجسيداً حقيقياً لشعار «من صنع الحكايات».

خرجتُ من أروقة المعرض محمّلاً بيقين عشته بنفسي؛ إن الشارقة اليوم، بهذا الثراء الإنساني والحضور السوري والعربي النابض، تثبت أن معارك الوعي هي التي تبني المستقبل، وأن الحكاية حين تصنعها عقول حكيمة تصبح منارة فكرية تتوارثها الأجيال ولا تنطفئ

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من زوايا رأس الخيمة إلى ظلال برج صافيتا: المهندس وسيم عبد اللطيف ينسج حوار الجذور والمعاصرة في مهرجان زوايا 

  علي نفنوف الأمارات     حين كنت أعبر من أمام مكتبه في صافيتا، كان يلفت انتباهي دائماً ذاك الرجل الوقور الجالس خلف مرسمه؛ رجلٌ ...