حوار: علي نفنوف
في هذا الفضاء العنكبوتي الازرق تصل الينا عبر الخوارزميات الزرقاء.. ألاف القصائد والعناوين والاصدارات وأسماء الشعراء والشاعرات لكن هنالك اسماء تاتي حروفها محفوره من ذهب على وتين الروح فتقرأها بقلبك.. قبل ان تتهجى حروفها.. ويصلك احساس ما بين السطور وما وراء الكلمات فلم تعد موسيقى القافيه هي النغمه الوحيده هنالك نغمات شارده نصغي اليها تماما كما نصغي الأن الى قصائد ونصوص ونثريات الاديبه والشاعره ماجده ابو خضور حيث يندر أن تعثر على نصوص تمتلك تلك المقدرة الحقيقية على النفاذ إلى بواطن النفس، وتفكيك شجونها برهافة ووعي لافتَين. ومن هنا، كان الشغف يقتادني دائماً نحو تتبع الأثر الإبداعي لها. تقف أمام نصوصها فتشعر أن لغتها تُكتب لتُقرأ ملامح الذات وانكساراتها. هذا التميز الأدبي كان الدافع الأكبر وراء هذا اللقاء؛ لقاء جاء متزامناً مع صدور ديوانها الأول “سوانح الروح”، وتألقها في الفعاليات الثقافية، وتحديداً في معرض الشارقة الدولي للكتاب.
حين تحاول ماجدة أبو خضور التعريَف بنفسها، تبتعد عن القوالب الجاهزة التي تُحصر المبدع في زوايا ضيقة، وتقدم نفسها كامرأة حملت الحياة بكل تناقضاتها الوجدانية؛ عبرت محطاتها بما فيها من فرح، وانكسار، وانتظار، وأسئلة بقيت معلقة دون إجابات شافية. خلف الحبر تكمن امرأة تؤمن أن الروح أوسع من أن تحتويها سيرة ذاتية، وأن الكتابة ليست ترفاً لغوياً ..هي حاجة داخلية ومساحة تستعيد فيها توازنها مع العالم. لم تسعَ يوماً لتكون نسخة من أحد، انما حاولت أن تكون صوتها الخاص، وتترك في كل نص شيئاً من أثر روحها. هذه المسيرة الممتدة تخفي خلفها ملامح جغرافية وإنسانية صقلت تجربتها؛ من مسقط رأسها في مدينة درعا إلى إقامتها في العاصمة دمشق، حيث كانت تعمل إدارية في مديرية التربية قبل أن تنحاز كلياً لنداء الحبر وتقدم استقالتها عام 2018.
تخبرني ماجدة أن “سوانح الروح” ليس مجرد عنوان، هو مساحة من البوح تأخرت قبل أن تجد طريقها إلى الضوء. في نصوصها المنفردة السابقة كانت تقتطع من الروح لحظة شعورية خاطفة أو ومضة عابرة من الذاكرة، أما في هذا الديوان فقد اجتمعت تلك الومضات لتشكّل عالماً أكثر اتساعاً، تتجاور فيه التجربة الإنسانية مع الخيال، والذاكرة مع الحلم، والوجع مع الأمل. وهي في هذا الإبحار لا تدّعي التعافي، بل تكتب لتفهم ما يحدث في داخلها، وتصالح بعض ما عجزت الحياة عن تفسيره. وفي المقابل، تتمنى أن يجد القارئ في نصوصها نافذة تطل على شيء يشبهه، أو عبارة تلامس وجعاً لم يستطع التعبير عنه؛ فربما لا نملك القدرة على ترميم جراح الآخرين، لكننا نستطيع تخفيف وحشة أرواحهم بكلمة صادقة.
الواقع والخيال في نظرتها ليسا عالمين منفصلين، عالمين يلتقيان عند عتبة الشعور. قد تعيش تجربة كاملة، وقد تلتقط وجعاً من عيني عابر، أو من حكاية، أو من صمت إنسان لم يستطع البوح، لكن ما يصل إلى الورق لا يكون نقلاً حرفياً لما حدث، انما يتدخل الخيال ليعيد تشكيل التجربة ويمنحها أبعاداً تتجاوز حدود صاحبها لتصبح تجربة إنسانية عامة.
تطرح الكاتبة في ديوانها صوتاً متزناً للذات الأنثوية، فالمرأة التي تكتب عنها ليست ضد الحب ولا ضد الشراكة، لكنها ضد أن تفقد ذاتها في سبيلهما. تؤمن أن الحب الحقيقي إضافة إلى الروح وليس مصادرة لها، وأن الاكتفاء لا يعني الانغلاق قد يعني أن تمتلك المرأة وعياً يحمي كرامتها، وقلباً يعرف كيف يحب دون أن يتنازل عن حقه في أن يكون مصاناً. في كتاباتها تقدم المرأة كوناً و ذاتاً كاملة، لها أحلامها وحقها في الاختيار، لا مجرد صدى لحياة الآخرين، بعيداً عن أطر البكائية المستسلمة أو التبعية.
هذا النضج ينعكس تلقائياً على فلسفتها للزمن؛ فالعمر في نظرها ليس رقماً نضيفه إلى سنواتنا، بل هو ما يتراكم في أرواحنا من تجارب وتحولات. قد يشيخ الجسد، لكن الروح تظل قادرة على الدهشة، وعلى الحلم، وعلى ولادة أسئلة جديدة. وعن حضور ديوانها في معرض الشارقة كـ “هدية بقية عمر”، تراه هدية لما تبقى من الشغف، ولإيمانها بأن الكتابة لا تعرف سن التقاعد، وأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد ما دام في روحه نبض يتوق إلى الحياة. ولعل أجمل ما يمكن أن يتركه المرء خلفه ليس عدد السنوات، انما الأثر الذي تركته كلماته في أرواح الآخرين.
وعند الاقتراب من مساحات الألم والبحث عن القدوة، تظهر ماجدة تصالحاً عادلاً مع خيباتها؛ لقد تعلمت كيف تحوّل ما يؤلمها إلى معرفة، وما يعجزها عن البوح إلى لغة. أما قدوتها، فهي كل روح استطاعت أن تحتفظ بإنسانيتها رغم قسوة الحياة، وكل إنسان لم يسمح للخيبات أن تنتزع منه نقاءه. وتؤمن أن أعظم انتصار للإنسان أن يعبر الحياة بكل ما فيها، دون أن يفقد قدرته على الحب والعطاء.
وحين نصل إلى عتبة الختام، والسطر الذي يفتح مغاليق هذا العمل ويقفلها في آنٍ واحد، تختار ماجدة أبو خضور عبارة تختزل علاقتها بالكتابة، لتتركها معلقة في أذهاننا: “سوانح الروح.. ليست حكايات ما مرّ بنا، بل حكايات ما تركه المرور فينا”. الأحداث تنتهي، والأمكنة تتغير، والوجوه تغادر، لكن الأثر الذي يتركه المرور في أرواحنا هو وحده الذي يظل حياً، قادراً في كل مرة على استدعاء الكاتبة إلى الورق من جديد.



(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
