حوار: علي نفنوف
دبي
ليست كل لوحة نافذةً على مدينة، فبعض اللوحات تصبح مدينةً كاملةً تسكن اللون، وبعض الفنانين لا يرسمون الأمكنة، بل يكشفون أرواحها. ومن هذه الرؤية تنطلق الفنانة السورية آية عيسى، التي تحمل إلى معرض «دبي في عيون محمد بن راشد» في مكتبة محمد بن راشد أكثر من مشاركة تشكيلية؛ تحمل حواراً بصرياً مع مدينة اختارت أن تجعل من الإبداع لغتها اليومية، وأن تمنح الفن مكاناً يليق به في مشروعها الحضاري.
وفي مشاركتها الأولى بعد استقرارها في دولة الإمارات، تقدم آية عيسى عملاً يقرأ المدينة من الداخل، حيث تلتقي الرمزية بالهوية، ويصبح اللون لغةً أخرى للمكان.
وعلى هامش مشاركتها في المعرض، كان لنا معها هذا الحوار الذي يضيء تجربتها، ويقترب من رؤيتها الفنية، ومن علاقتها بمدينة اختارت أن ترسمها بقلبها قبل ريشتها.
في هذا الحوار، تتحدث عن تجربتها، وعن لوحتها، وعن انطباعاتها الأولى في مدينة لا تزال تمنحها أسباباً جديدة للرسم.
• هذه مشاركتك الأولى بعد إقامتك في الإمارات، كيف تنظرين إلى حضورك في معرض يحمل اسم «دبي في عيون محمد بن راشد»؟ وما الذي يعنيه لك أن تكون أولى خطواتك الفنية في دبي من خلال هذا الحدث؟
**أرى في هذه المشاركة بدايةً أعتز بها كثيراً، لأنها تأتي في مدينة جعلت من الإبداع جزءاً من هويتها، ومنحت الفن مكانته الطبيعية في الحياة. أما أن تكون هذه البداية ضمن معرض يحمل اسم «دبي في عيون محمد بن راشد»، فذلك يضاعف مسؤولية الفنان؛ لأن المطلوب هنا ليس رسم المدينة كما تبدو، بل كما تُحس وتُعاش. إنها دعوة لقراءة روح دبي، والاقتراب من نبضها الإنساني والحضاري.
• كيف كان انطباعك عن المشهد الفني في دبي منذ وصولك؟ وهل شعرتِ أن هذه المدينة تمنح الفنان مساحة مختلفة للتعبير والتجريب؟
**وجدت في دبي مشهداً فنياً نابضاً بالحياة، تتجاور فيه التجارب والثقافات والرؤى المختلفة في مساحة واحدة من الحوار والانفتاح. وما لفتني أكثر هو أن هذا التنوع لا يلغي هوية الفنان، بل يمنحه مساحة أوسع ليعبّر عنها. إنها مدينة تشجع التجريب، وتحتفي بالأفكار الجديدة، دون أن تنفصل عن تراثها وذاكرتها الثقافية.
• ما الذي جذبك في فكرة المعرض؟ وهل وجدتِ في دبي موضوعاً بصرياً جديداً يختلف عما كنتِ تشتغلين عليه قبل انتقالك إليها؟
**أكثر ما جذبني هو أن المعرض لا يطلب من الفنان أن يوثق معالم المدينة، بل أن يكتشف روحها. فلكل مدينة ذاكرتها الخاصة وطاقتها الإنسانية، وقد وجدت في دبي حالةً فريدةً من التوازن بين الأصالة والطموح، وبين الجذور العميقة والانفتاح على المستقبل، وهذا ما حاولت أن أترجمه بصرياً.
• حدثينا عن لوحتك المشاركة في المعرض: ما الفكرة التي انطلقتِ منها؟ وما الحكاية أو الإحساس الذي أردتِ نقله من خلالها؟
**انطلقت من فكرة أن لكل مدينة روحاً تحرسها وتحفظ ملامحها، فجسدت دبي في هيئة امرأة رمزية تمثل الحكمة والقوة والاحتواء، وأحطتها بعناصر تستلهم معالم المدينة وتراثها، لتتحول اللوحة إلى حوار بصري بين الإنسان والمكان.
اخترت اللون الأسود ليمنح العمل عمقاً وهيبةً وحضوراً، بينما جاء الذهبي رمزاً للنور والإنجاز والقيمة الإنسانية، لا بوصفه دلالةً على الثراء المادي. أما الخطوط المنحنية والقوية فكانت لغةً تشكيليةً تقود عين المتلقي، وتصنع إيقاعاً يعكس حيوية المدينة وثقتها بنفسها.
• هل رسمتِ دبي كما تُرى بالعين أم كما تُحس بالروح؟ وكيف ترجمتِ علاقتك بهذه المدينة إلى لغة بصرية؟
**رسمتها كما شعرت بها. فالفن، في نظري، لا يعيد إنتاج ما تراه العين، بل يكشف الأثر الذي يتركه المكان في أعماق الإنسان. لذلك لجأت إلى الرموز والألوان والإيقاع البصري لأرسم إحساسي بدبي، أكثر مما أرسم صورتها المباشرة.
• ما العناصر التي ركزتِ عليها في اللوحة؟ هل كانت العمارة، الضوء، الحركة، الإنسان، أم تفاصيل أخرى تشكل هوية دبي؟
**كان الإنسان محور العمل، لأنه الذاكرة الحقيقية لأي مدينة، إلى جانب حضور المكان بوصفه شاهداً على هذا الوجود. استعنت ببعض المعالم المعمارية كرموز للنهضة، وأدرجت عناصر من التراث والطبيعة لتأكيد عمق الجذور الثقافية. كما لعب الأسود والذهبي دوراً أساسياً في بناء الهوية البصرية للعمل؛ فمنح الأول اللوحة ثباتها وعمقها، بينما أضفى الثاني إشراقها، وجاءت الخطوط القوية لتبث فيها الحركة والثقة.
• كيف تعاملتِ مع خصوصية مدينة مثل دبي، مدينة تجمع بين الحداثة والذاكرة والتراث، في بناء عملك الفني؟
**لم أنظر إلى الحداثة والتراث بوصفهما نقيضين، بل باعتبارهما امتداداً طبيعياً لبعضهما. لذلك حاولت أن تتحاور عناصر اللوحة فيما بينها، لتؤكد أن أي نهضة حقيقية لا تنفصل عن جذورها، وأن المستقبل لا يولد إلا من ذاكرة تعرف قيمتها.
• عندما ينتقل الفنان إلى مكان جديد، هل تتغير أدواته البصرية؟ وهل شعرتِ أن دبي أضافت لوناً أو مفردةً جديدةً إلى تجربتك؟
**كل مكان يترك أثره في وجدان الفنان، وهذا الأثر يجد طريقه إلى العمل الفني بصورة تلقائية. بالنسبة لي، أضافت دبي إلى تجربتي إحساساً أوسع بالضوء والانفتاح والطموح، وقدمت لي مفردات بصرية جديدة، مع احتفاظي بلغتي التشكيلية القائمة على الرمزية والتعبير الداخلي.
• هل ترين أن الفنان لا يرسم المكان فقط، بل يرسم علاقته به؟ كيف انعكس حضورك في دبي على رؤيتك الفنية؟
**بلا شك. الفنان لا يرسم المكان كما هو، بل كما يسكنه في الداخل. ولوحتي ليست وصفاً لدبي، بقدر ما هي انعكاس للعلاقة التي بدأت تنمو بيني وبينها؛ علاقة تقوم على التأمل والامتنان، وعلى شعور متجدد بالإلهام.
• ما الرسالة التي تتمنين أن تصل إلى المشاهد عندما يقف أمام لوحتك في هذا المعرض؟
**أتمنى أن يدرك المتلقي أن لكل مدينة روحاً تتجاوز عمرانها، وأن الجمال الحقيقي يولد عندما تنشأ علاقة صادقة بين الإنسان والمكان. وإذا نجحت اللوحة في أن تدعو المشاهد إلى التأمل، وأن تترك في داخله شعوراً بالأمل والقوة، فسأشعر أن رسالتي قد وصلت.
• بعد هذه المشاركة، ما المشاريع أو الخطوات القادمة التي تطمحين إليها في المشهد الفني الإماراتي؟
**أتطلع إلى مواصلة حضوري في المعارض الفنية داخل دولة الإمارات، وإقامة معرضي الشخصي الأول الذي يعكس رؤيتي الفنية وتجربتي الإنسانية، إلى جانب العمل على مشاريع تربط الفن بالهوية والثقافة، وتسهم في إثراء المشهد التشكيلي، مع المحافظة على بصمتي الخاصة التي ترى في الفن لغةً للحوار بين الإنسان والروح والمكان







(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

