آخر الأخبار
الرئيسية » تربية وتعليم وإعلام » الدروس الخصوصية… وجهة نظر في عمق المشكلة

الدروس الخصوصية… وجهة نظر في عمق المشكلة

 

 

بقلم: د. ياسر محمد علوش

معاون مدير تربية طرطوس

 

الدروس الخصوصية ليست مجرد حصص تعليمية إضافية، بل هي مؤشر على خلل اجتماعي وثقافي عميق.

 

إنها ظاهرة تبدأ بضعف الثقافة المجتمعية، وتمر بتراجع الثقة بالمدرسة، لتنتهي بتحويل التعليم إلى سوقٍ موازية، يشتري فيها الطالب ما كان ينبغي أن يحصل عليه داخل المدرسة، ويبيع فيها المعلم ما كان من المفترض أن يؤديه بوصفه رسالةً تربوية قبل أن يكون مهنة.

 

فالمجتمع الذي لا يثق بمدارسه، ولا يحمي معلميه، ولا يرفع من قيمة المعرفة، سيظل يبحث عن حلول سريعة، حتى وإن كانت تلك الحلول تستنزف دخل الأسر وتُضعف جوهر العملية التعليمية.

 

ومن هنا تتوزع المسؤولية بين الجميع؛ فالدولة مطالبة بضبط هذه الظاهرة والحد من انتشارها، والمدرسة مطالبة باستعادة دورها التعليمي والتربوي، والأسرة مدعوة إلى رفض تحويل التعليم إلى سلعة، كما أن المجتمع مطالب بإعادة الاعتبار لمكانة المعلم، حتى لا يُدفع إلى هامش الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

 

غير أن المشكلة أعمق من ظاهرة الدروس الخصوصية نفسها، فهي في جوهرها أزمة وعي صحي وثقافي.

 

فنحن، مع الأسف، لا نولي الثقافة الصحية ما تستحقه من اهتمام. نمرض كثيرًا، ونراجع الأطباء بكثرة، ونستهلك الأدوية أكثر مما نستثمر في المعرفة والوقاية.

 

ومع ازدياد الحاجة إلى العلاج، يرتفع دخل الطبيب، فتتعزز مكانته الاجتماعية، وتختلف نظرة المجتمع إليه مقارنةً بكثير من المهن الأخرى.

 

وهكذا، ومن دون وعي، صنع المجتمع هرمًا اقتصاديًا جديدًا؛ يتربع الطبيب على قمته، بينما يقف المعلم عند قاعدته. الأول يمتلك دخلًا يحفظ كرامته المعيشية، والثاني يحمل رسالة سامية، لكنها لا تكفي لحمايته من ضغوط الحياة.

 

ولأن الإنسان يبحث بطبيعته عن الاستقرار والكرامة الاقتصادية، أصبح كثيرون ينظرون إلى دراسة الطب بوصفها الخيار الأفضل، ليس حبًا بالعلم وحده، بل بحثًا عن مكانة اجتماعية، ودخل كريم، واحترام يضمن لهم حياة مستقرة.

 

وهنا تلتقي الظاهرتان: الدروس الخصوصية من جهة، والسعي المحموم لدراسة الطب من جهة أخرى.

 

فكلتاهما تعكسان مجتمعًا لا يمنح المعرفة مكانتها الحقيقية، ولا يثق بالمدرسة كما ينبغي، ولا يؤمن بثقافة الوقاية، بل ينتظر المرض ليقدّر الطبيب، وينتظر التعثر الدراسي ليبحث عن درسٍ خصوصي.

 

إن مكافحة الدروس الخصوصية لا تتحقق بقرار إداري أو بإجراءات رقابية فحسب، بل تبدأ بإعادة بناء الثقافة المجتمعية؛ ثقافة تحترم المعلم كما تحترم الطبيب، وتمنح التعليم المكانة التي يستحقها كما تمنح الطب مكانته، وتدرك أن الطبيب يداوي الجسد، بينما يداوي المعلم العقل ويبني الإنسان.

 

ومن دون هذه المعادلة، سيبقى الطالب يبحث عن درسٍ خصوصي، وسيبقى المعلم يبحث عن دخلٍ إضافي، وسيظل المجتمع يبحث عن طبيبٍ ينقذه من أمراضٍ كان يمكن أن يتجنبها لو احترم المعرفة منذ البداية

 

(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزير التربية: تعيين الأوائل من خريجي الجامعات في اختصاصات نوعية دون مسابقة والإعلان عن الأسماء هذا الأسبوع

  أعلن وزير التربية والتعليم الدكتور محمد عبد الرحمن تركو أن الوزارة ستباشر خلال هذا الأسبوع الإعلان عن قائمة بأسماء الخريجين الأوائل في عدد من ...