ميساء العجي:
في محاضرة غنية بالعلومات حول مرض القولون العصبي، سلطت اختصاصية التغذية العلاجية عبير مارديني، الضوء على متلازمة القولون العصبي في المركز الثقافي العربي بالعدوي اليوم.
في بداية حديثها أوضحت مارديني أن هذا الاضطراب من أكثر المشكلات الهضمية شيوعاً، لكنه في الوقت نفسه من أكثرها التباساً لدى المرضى، وذلك بسبب تشابه أعراضه مع حالات أخرى، وارتباطه بعوامل غذائية ونفسية متداخلة.
وأكدت أن فهم القولون العصبي لا يبدأ فقط من معرفة ما الذي نأكله، بل يمتد أيضاً إلى فهم العلاقة الوثيقة بين الدماغ والجهاز الهضمي، وهي العلاقة التي تجعل التوتر النفسي عاملاً مؤثراً لا يقل أهمية عن الطعام نفسه.
وبينت مارديني أن كثيرين يعانون من آلام متكررة في البطن، ونفخة، واضطرابات في الإخراج، سواء على شكل إمساك أو إسهال أو تناوب بينهما، لينتهي بهم المطاف غالباً إلى تشخيص القولون العصبي.
إلا أن هذا التشخيص، حسب ما أوضحت، لا يعني وجود خلل عضوي ظاهر أو تلف في الأمعاء، بل يشير إلى اضطراب وظيفي يجعل الأمعاء أكثر حساسية واستجابة للمؤثرات المختلفة، وفي مقدمتها الطعام والتوتر.
رحلة الطعام داخل الجسم
وشرحت مارديني أن فهم القولون العصبي يتطلب التعرف أولاً إلى الطريقة التي يعمل بها الجهاز الهضمي.
فـرحلة الطعام تبدأ منذ اللحظة الأولى لدخول اللقمة إلى الفم، حيث يبدأ المضغ ويمتزج الطعام باللعاب ثم ينتقل إلى المعدة التي تفرز الأحماض والإنزيمات اللازمة لهضم الطعام، قبل أن يمر إلى الأمعاء الدقيقة، حيث تتم معظم عمليات الامتصاص والاستفادة من العناصر الغذائية.
وأضافت أن القولون أو الأمعاء الغليظة يمثل المحطة الأخيرة في هذه الرحلة، وتتمثل وظيفته في امتصاص الماء والأملاح، والمساهمة في تصنيع بعض الفيتامينات من خلال البكتيريا النافعة إضافة إلى تشكيل الفضلات تمهيداً للتخلص منها.
وأكدت أن الخلل في حالة القولون العصبي لا يكون ناتجاً عن تلف في القولون نفسه، بل عن اضطراب في طريقة عمله واستجابته، بحيث يصبح أكثر حساسية للحركة والتمدد وبعض أنواع الطعام، ما يفسر ظهور الألم والانتفاخ والتقلصات حتى في غياب أي تغير عضوي ظاهر.
ولفتت إلى أن هذه الطبيعة الحساسة للقولون تجعل بعض المرضى يشعرون بأعراض شديدة، رغم أن نتائج الفحوصات قد تكون طبيعية تماماً، وهو ما يسبب أحياناً حالة من الحيرة والقلق لديهم، وقد يدفع البعض إلى الاعتقاد بأن المشكلة بسيطة أو نفسية فقط، بينما الحقيقة، كما قالت، إن الأعراض حقيقية تماماً، لكنها ترتبط بوظيفة الجهاز الهضمي أكثر من ارتباطها بإصابة عضوية واضحة.
الغذاء عامل أساسي لكنه ليس الوحيد
وفي حديثها عن الجانب الغذائي، أكدت مارديني أن الطعام يلعب دوراً أساسياً في تحفيز أعراض القولون العصبي أو التخفيف منها، مشيرة إلى أن المشكلة لا تكمن دائماً في كمية الطعام، بل في نوعيته وطريقة تعامل الجسم معه.
وأوضحت أن هناك مجموعة من الكربوهيدرات قصيرة السلسلة تعرف باسم FODMAPs، وهي مواد يصعب امتصاصها بشكل كامل في الأمعاء الدقيقة، فتنتقل إلى القولون حيث تتخمر بسرعة، مسببة الغازات والانتفاخ والألم لدى كثير من المرضى.
وأشارت إلى أبرز الأطعمة التي قد تثير الأعراض ومنها البقوليات، والبصل والثوم وبعض الفواكه مثل التفاح والمانجو، إلى جانب المحليات الصناعية والكافيين والدهون المشبعة.
وبيّنت أن هذه الأطعمة ليست ضارة للجميع بالضرورة، لكن بعض مرضى القولون العصبي يبدون حساسية أكبر تجاهها، وهو ما يفسر التفاوت في الأعراض من شخص إلى آخر.
وفي المقابل، أوضحت مارديني أن هناك أطعمة تميل إلى أن تكون أكثر لطفاً على الجهاز الهضمي، مثل الجزر والخيار والموز والفراولة والشوفان والبروتينات المشوية، مؤكدة أن اعتماد خيارات غذائية بسيطة ومتوازنة قد يحدث فرقاً ملحوظاً في تخفيف الأعراض وتحسين جودة الحياة اليومية للمصابين.
وشددت على أن التعامل مع القولون العصبي يجب ألا يقوم على الحرمان العشوائي أو الامتناع المبالغ فيه عن الطعام، لأن ذلك قد يقود إلى خلل غذائي وإلى توتر نفسي إضافي من الطعام نفسه، بل يجب أن يكون مبنياً على الملاحظة الدقيقة والاستجابة الفردية لكل جسم.
الألياف بين الفائدة والتهييج
وتوقفت مارديني عند نقطة وصفتها بالمهمة جداً في التعامل مع مرضى القولون العصبي، وهي الألياف الغذائية، مؤكدة أن كثيراً من الناس يقعون في خطأ شائع يتمثل في الاعتقاد أن الإكثار من الألياف مفيد دائماً، وقالت: إن الألياف نوعان، ولكل نوع تأثير مختلف على الأمعاء.
فالألياف القابلة للذوبان، مثل الموجودة في الشوفان ولب بعض الفواكه، تعد أكثر ملاءمة لمرضى القولون العصبي، لأنها تمتص الماء وتتحول إلى مادة هلامية تساعد في تنظيم حركة الأمعاء وتهدئتها.
أما الألياف غير القابلة للذوبان، مثل النخالة وقشور الحبوب، فهي تعمل على زيادة كتلة البراز وتسريع مروره، لكنها قد تؤدي لدى بعض المرضى إلى زيادة التقلصات والآلام والانتفاخ.
وأكدت أن المشكلة لا تكمن في الألياف بحد ذاتها، بل في نوعها وكميتها وطريقة إدخالها إلى النظام الغذائي، داعية إلى التدرج في تناولها ومراقبة أثرها في الأعراض، بدلاً من اللجوء إلى نصائح عامة قد لا تناسب جميع المرضى.
المحفز الصامت
وفي الجانب النفسي، شددت مارديني على أن القولون العصبي لا يمكن فهمه أو التعامل معه بعيداً عن العلاقة المعقدة بين الدماغ والجهاز الهضمي.
وأوضحت أن هناك تواصلاً مستمراً بين الجهاز العصبي والأمعاء، بحيث يمكن للحالة النفسية أن تنعكس مباشرة على حركة الجهاز الهضمي، وعلى شدة الأعراض التي يشعر بها المريض.
كما بيّنت أن القلق والتوتر النفسي قد يرسلان إشارات تؤثر في سرعة حركة الأمعاء، وهو ما قد يؤدي إلى الإسهال لدى البعض، أو الإمساك لدى آخرين، أو إلى تشنجات وآلام متكررة ونفخة مزعجة.
وأضافت أن كثيراً من المرضى يلاحظون ازدياد الأعراض خلال فترات الضغط النفسي أو قبل الامتحانات، أو أثناء المشكلات اليومية المتراكمة، ما يؤكد أن العامل النفسي ليس عاملاً ثانوياً بل جزء أساسي من الحالة.
وأوضحت مارديني أن هذا لا يعني أن القولون العصبي مشكلة نفسية فقط، بل يعني أن العقل والأمعاء يعملان ضمن دائرة تأثير متبادل، وأن أي خطة فعالة للتخفيف من الأعراض يجب أن تراعي هذا الترابط.
تمارين بسيطة أثرها عميق
وفي هذا السياق، قدمت مارديني جملة من النصائح العملية التي يمكن أن تساعد المرضى في تهدئة الجهاز العصبي وتخفيف تأثير التوتر على القولون. ومن أبرزها ممارسة تمارين التنفس العميق، والجلوس بهدوء لفترات قصيرة يومياً، إلى جانب تنظيم أوقات النوم وتخفيف مصادر التوتر قدر الإمكان.
وأوضحت أن هذه الخطوات قد تبدو بسيطة، لكنها تنعكس بصورة واضحة على ارتخاء عضلات القولون وتهدئة التشنجات، ما يساهم في تقليل حدة الأعراض على المدى القريب والبعيد. كما نصحت بعدم تناول الطعام بسرعة أو تحت ضغط، لأن طريقة الأكل نفسها قد تكون عاملاً محفزاً لاضطرابات الهضم.
خارطة الطريق الغذائية
وعن آلية التعامل الصحيح مع القولون العصبي، أكدت مارديني أن الوصول إلى الراحة لا يتم عبر وصفة موحدة، بل من خلال بروتوكول تدريجي يساعد المريض على اكتشاف ما يناسبه بدقة. وشرحت أن هذا البروتوكول يمر بثلاث مراحل رئيسة.
المرحلة الأولى هي الإقصاء، وفيها يتم التوقف مؤقتاً عن الأطعمة المهيجة أو المشتبه في تسببها بالأعراض، بهدف منح الأمعاء فرصة للهدوء.
أما المرحلة الثانية فهي إعادة الإدخال، وتعني إعادة تجربة الأطعمة بشكل تدريجي ومدروس، لملاحظة رد فعل الجسم وتحديد الأطعمة التي تثير الأعراض فعلياً.
ثم تأتي المرحلة الثالثة وهي التخصيص، حيث يتم بناء نظام غذائي مرن ومناسب للشخص نفسه، بعيداً عن التعميم أو الحرمان الدائم.
وشددت على أن نجاح هذا النهج يعتمد على الصبر والمتابعة والانتباه إلى الإشارات التي يرسلها الجسم، مؤكدة أن الهدف ليس الوصول إلى قائمة طويلة من الممنوعات، بل إلى نمط غذائي متوازن وقابل للاستمرار.
وفي ختام حديثها، أكدت مارديني أن صحة الجهاز الهضمي تبدأ من الوعي بالعادات اليومية الصغيرة، مثل مضغ الطعام جيداً، وشرب كميات كافية من الماء، وتنظيم الوجبات، والانتباه إلى التوتر النفسي.
وأضافت أن هذه التفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة تمثل أساساً مهماً في الوقاية من تهيج القولون وفي الحد من تكرار الأعراض.
ورأت أن الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى المرضى هي أن القولون العصبي ليس حكماً دائماً بالألم أو الحرمان، بل حالة يمكن السيطرة عليها بدرجة كبيرة عندما يفهم الإنسان طبيعة جسمه، ويتعامل بوعي مع غذائه وضغوطه النفسية.
واختتمت بالتأكيد على أن الجواب عن سؤال: هل الحل في “المعدة” أم في “العقل”؟ ليس في اختيار أحدهما على حساب الآخر، بل في الاعتراف بأن الاثنين معاً يشكلان مفتاح الفهم والعلاج، فالغذاء المناسب يريح الأمعاء، والهدوء النفسي يخفف تشنجها، وبين هذا وذاك تبدأ رحلة التعافي الحقيقية.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
