أسيمة حسن
ثمة أشياء صغيرة لا تُغيّر العالم من حولنا، لكنها تُغيّر الطريقة التي نحتمله بها؛ فنجان شاي في أول الصباح، وشعاع شمس يتسلل إلى النافذة، وصوت راديو يحمل أغنية قديمة إلى مكان بعيد في الذاكرة. تفاصيل عادية في ظاهرها، لكنها تمنح أرواحنا فسحةً من الطمأنينة في حياة لا تكفّ عن مطالبتنا بالمزيد.
تأمّلوا أمًّا تسرق دقائق هادئة مع فنجانها قبل أن تبدأ رحلة المسؤوليات اليومية، أو أبًا يصغي إلى نشرة إذاعية اعتادها منذ شبابه؛ كلاهما لا يهرب من الحياة، بل يستعيد شيئًا من نفسه قبل أن يمضي في مواجهتها. وربما لهذا نشتاق أحيانًا إلى جلسة عائلية بسيطة أكثر مما نشتاق إلى مكان فاخر، وإلى حديث صادق أكثر من ألف رسالة عابرة على شاشات الهواتف.
لكن هل تكمن قيمة هذه التفاصيل في بساطتها، أم في المعاني التي نودعها فيها؟ لعلّنا لا نحبّ فنجان الشاي بقدر ما نحبّ السكينة التي ترافقه، ولا نشتاق إلى الأغنيات القديمة وحدها، بل إلى أشخاص وأزمنة تستيقظ فينا كلما سمعناها.
في زمنٍ صار فيه الانشغال علامةً على الأهمية، والركض خلف المزيد أسلوبًا للحياة، بتنا نؤجل متعة الأشياء البسيطة إلى إشعار آخر، كأن الطمأنينة مكافأة نؤجلها حتى ننتهي من كل شيء؛ والمفارقة أننا لا ننتهي أبدًا.
ومع ذلك، ليس في الاحتفاء بالتفاصيل الصغيرة دعوةٌ إلى تجميل الحرمان أو التعايش مع الأوجاع التي تحتاج إلى حلول حقيقية. ففنجان الشاي لا يحلّ أزمة، وضوء الشمس لا يمحو خسارة، لكنهما قد يمنحان الإنسان لحظة يستردّ فيها توازنه وقدرته على الاستمرار.
لعلّ النضج ليس أن نطلب من الحياة أن تمنحنا كل شيء، بل ألّا نسمح لانشغالنا بما ينقصنا أن يعمينا عمّا لا يزال جميلًا فيها. فبعض الأشياء لا تُبقينا سعداء تمامًا، لكنها تُبقينا بخير؛ وأحيانًا، هذا أكثر مما نحتاج إليه كي نواصل الطريق.
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

