آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » سورية.. لعنة الجغرافيا ، ولكن !

سورية.. لعنة الجغرافيا ، ولكن !

 

 

عادل صادق حسن

 

آلاف المقالات والأبحاث العربية والأجنبية تحدثت عن أهمية الموقع الجغرافي لسورية، وعن الدور الجيوسياسي والاستراتيجي الذي يمكن أن تؤديه على صعيد المنطقة والعالم، بحكم موقعها الفريد.

 

ومع ذلك، ما زال البعض حتى الآن يشكك في أهمية هذا الموقع، وفي دوره في ربط قارات العالم ببعضها، وتسهيل حركة المواد والبضائع والطاقة بين الشرق والغرب، عبر هذه المنطقة الجغرافية الصغيرة نسبيًا قياسًا بمساحات كثير من دول العالم.

 

إحصائية واحدة كفيلة بإعطائك فكرة عن أهمية هذا الموقع: مرور أكثر من 23 ألف طائرة ترانزيت فوق الأجواء السورية خلال شهر واحد، وفق الأرقام المتداولة، يكشف وحده عن أهمية الموقع الجغرافي لسورية.

 

وطوابير الناقلات النفطية القادمة من العراق الشقيق باتجاه ميناء بانياس من أجل التصدير، دليل آخر على أهمية الموقع.

 

وأسراب البرادات والشاحنات المتجهة إلى دول الخليج، وبالعكس، عبر معبر نصيب الحدودي، تؤكد كذلك أن سورية تقع على واحد من المسارات البرية المهمة لحركة التجارة والنقل في المنطقة.

 

ناهيك عن مشاريع وخطوط نقل الطاقة والغاز التي طُرحت على مدى السنوات الماضية، والتي جعلت سورية جزءًا من حسابات إقليمية ودولية تتعلق بمصادر الطاقة ومسارات نقلها إلى الأسواق الأوروبية.

 

كل ذلك يحدث رغم حالة عدم الاستقرار التي عاشتها البلاد طوال سنوات.

فما بالك لو استقرت سورية أمنيًا وعسكريًا واقتصاديًا، ونجحت في إعادة بناء وتجهيز بنيتها التحتية، وتطوير الطرق والموانئ والمعابر، وتوفير البيئة اللازمة لتسهيل حركة التجارة والطيران والترانزيت؟

 

لكن أهمية الموقع الجغرافي السوري لا تتجلى فقط في حركة الطائرات والشاحنات والناقلات ومشاريع الطاقة؛ بل ربما تكمن المفارقة الأكبر في أن الموقع الذي يمكن أن يكون نعمة اقتصادية واستراتيجية، تحوّل في مراحل كثيرة من التاريخ إلى مصدر صراع وتنافس وصدام.

 

فمنذ مئات السنين، كانت سورية بحكم موقعها جزءًا من صراعات الإمبراطوريات والقوى الكبرى، ومسرحًا لتنافس الدول والمشاريع الإقليمية والدولية. وفي العقود الأخيرة، ازدادت أهمية هذا الموقع مع اشتداد الصراعات على طرق التجارة والطاقة والنفوذ في المنطقة.

 

وهكذا، تحولت هذه الجغرافيا من نعمة محتملة إلى ما يشبه لعنة جغرافية؛ إذ لم تترك السوريين يعيشون بعيدًا عن صراعات الآخرين، بل جعلت من سورية، في كثير من المراحل، رقعة شطرنج تتقاطع فوقها مصالح اللاعبين الإقليميين والدوليين، بينما دفع الشعب السوري ثمنًا باهظًا لهذه الصراعات.

 

وهنا أصل إلى ما أريد قوله باختصار:

 

إن ما نراه اليوم من اصطفافات دينية ومذهبية، وتطرف، وانقسامات في التوجهات والقيم والرؤى، لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه انعكاسًا حتميًا لطبيعة المجتمع السوري أو جوهر الشعب السوري.

 

فالسوريون، على اختلاف مناطقهم ومذاهبهم وأديانهم وتوجهاتهم، عاشوا قرونًا طويلة في هذه الأرض، وتداخلت بينهم المصالح والعلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وكان التعايش جزءًا أساسيًا من تاريخهم.

 

أما الانقسامات التي تفاقمت خلال العقود الأخيرة، فقد ساهمت فيها عوامل داخلية وخارجية عديدة، واستُخدمت في الصراعات السياسية والعسكرية والإقليمية والدولية، الأمر الذي جعل المجتمع السوري يدفع ثمنًا باهظًا.

 

لذلك، فإن حماية سورية ومستقبلها لا تبدأ فقط بإعادة بناء الحجر، وإنما تبدأ أيضًا بإعادة بناء الثقة بين السوريين، وترميم النسيج الاجتماعي، ورفض تحويل الاختلاف إلى عداوة، أو التنوع إلى صراع.

 

ولا أرى أمام السوريين طريقًا أكثر أهمية من الوعي، والتعقل، والحكمة، واحترام الآخر، والتسامح، والقدرة على تجاوز الجراح، وخلق الأعذار لبعضنا البعض بدل البحث عن أسباب جديدة للخصومة.

 

إن تحويل الجغرافيا السورية من مصدر للصراع إلى فرصة للتنمية والتجارة والتواصل بين الشعوب، يحتاج أولًا إلى تحويل الاختلاف من مصدر للخوف إلى مصدر للقوة.

 

فالموقع الذي كان لعنةً على السوريين في مراحل كثيرة من تاريخهم، يمكن أن يتحول، إذا امتلك السوريون وعيهم ووحدتهم واستقرارهم، إلى واحدة من أكبر النعم التي يمكن أن تُبنى عليها سورية المستقبل.

 

ونحن قادرون على ذلك بإذن الله تعالى.

 

(اخبار سوريا الوطن-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نائبا بشار ودرسان من 13 تموز 1989 و15 آذار 2006..كلمات اكتبها قبيل إلقاء الرئيس الشرع كلمة سورية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة…

أ. د. جورج جبور   أول من نادى باحترام الأمم المتحدة أعياد المسلمين في 13 تموز 1989، وبإحداث يوم للغة العربية في 15 آذار 2006. ...