آخر الأخبار
الرئيسية » عربي و دولي » *قراءة دقيقة في حلقة للكاتب والباحث ميخائيل عوض بعنوان “بعد التصعيد في الخليج: الحرب مستمرة ولو بوتيرة منخفضة”*

*قراءة دقيقة في حلقة للكاتب والباحث ميخائيل عوض بعنوان “بعد التصعيد في الخليج: الحرب مستمرة ولو بوتيرة منخفضة”*

 

 

*المحور الأول: الهدوء الخادع لا يعني نهاية الحرب*

يقدّم ميخائيل عوض في هذه الحلقة مقاربة تقوم على فكرة مركزية مفادها أن ما جرى اول أمس الخميس من تصعيد بين القوات الأمريكية والإيرانية في الخليج ليس نهاية للحرب وليس عودة للتصعيد كذلك، بل انتقال إلى طور مختلف منها؛ طور منخفض الوتيرة لكنه لا يقل خطورة أو تأثيرًا.

ومن هنا يشرح أن ما يجري اليوم في الخليج هو “معارك بين الحروب”، أي اشتباكات محدودة لكنها جزء من الحرب الأصلية المستمرة.

فالاشتباكات البحرية، وحالات الاستنفار، والتحشيد العسكري، والتحركات السياسية المتسارعة، كلها تؤكد – وفق هذا الطرح – أن المنطقة ما تزال داخل الحرب، حتى وإن تراجعت كثافة النار المباشرة.

في هذا السياق، يرفض عوض القراءة السطحية التي تعتبر أن المفاوضات أو التهدئة المؤقتة تعني انتهاء الصراع، ويشدد على أن الحروب الكبرى لا تنتهي إلا بحسم تاريخي ينتج غالبًا منتصرًا ومهزومًا، أومهزومين ولا يمكن بأي حال أن تنتهي بمعادلة رابح-رابح؛ بل منتصر واضح يعيد تشكيل العالم على أنقاض النظام القديم أو مهزومان يرث نصر حربهما أطراف لم تحارب مباشرة كما في الحرب العالمية الثانية.

 

فالاحتكاك البحري الأخير، وفق قراءته، ليس عودة مفاجئة للحرب بل استمرار منطقي لها، لأن:

– حالة الاستنفار ما تزال قائمة

– الأساطيل تتحرك

– الحصار يُعاد إنتاجه بأشكال مختلفة

– محاولات فرض وقائع جديدة مستمرة

ولهذا يؤكد أن المنطقة ستبقى عرضة لانفجارات مفاجئة في أي لحظة، لأن التوتر البنيوي لم يُحل أصلًا. ويشير أن الحرب إن توقفت في مسرح فتعصف في مسارح أخرى حتى تحقق ولادة العالم الجديد.

 

 

*المحور الثاني: الخليج في قلب الحرب العظمى الجارية*

 

في هذا المحور يذهب عوض إلى تفكيك المشهد من زاوية أبعد بكثير من القراءة التقليدية التي تختصر ما يجري في الخليج بأنه مجرد مواجهة بين إيران والولايات المتحدة أو صراع على الملف النووي والممرات البحرية. فبحسب طرحه، المنطقة دخلت فعليًا قلب الحرب العظمى ، والحرب الدائرة ليست حرب نفوذ إقليمي عادية، بل معركة على شكل العالم ونظامه المقبل وعلى هوية القوة التي ستقود العالم خلال العقود القادمة.

 

من هنا يرى عوض أن الخليج تحوّل إلى مركز الاشتباك الأخطر في العالم، لأنه يجمع في نقطة واحدة: النفط، الغاز، الممرات البحرية، التجارة العالمية، وطريق الطاقة الذي يغذي الاقتصاد الدولي كله.

 

ولذلك فإن أي تصعيد في مضيق هرمز أو البحر الأحمر أو خطوط النقل البحرية لا يمكن قراءته كحدث محلي، بل كجزء من الحرب الكبرى بين المشروع الأمريكي الساعي للحفاظ على الهيمنة، والمشروع الأوراسي الصاعد الذي يهدد بإسقاط مركزية الغرب الاقتصادية والسياسية.

 

وفي هذا السياق يشرح عوض أن واشنطن باتت تدرك أن صمود إيران يمهد بقوة لصعود الصين الذي لم يعد مجرد احتمال مستقبلي، بل تحول إلى واقع استراتيجي يهدد موقع أمريكا نفسه. لذلك انتقلت الولايات المتحدة من سياسة الاحتواء الاقتصادي البارد إلى مرحلة المواجهة الشاملة متعددة الأدوات: حرب تجارية، حرب ضرائب، حرب عقوبات، حرب تكنولوجية، حصار اقتصادي، ثم الانتقال إلى الاشتباك العسكري غير المباشر عبر البحار والمضائق وخطوط الطاقة.

 

ولهذا يربط عوض بشكل مباشر بين التصعيد في الخليج وبين الحرب على الصين، معتبرًا أن المعركة الحقيقية ليست مع طهران بحد ذاتها، بل مع القوة التي تقف خلف استمرار استقلال القرار الإيراني، أي الصين التي تحتاج إلى: النفط الإيراني، الممرات الآمنة، الاستقرار النسبي في الخليج، واستمرار تشكل الفضاء الآسيوي المستقل عن الهيمنة الأمريكية.

 

ومن هنا تصبح إيران – وفق هذا الطرح – عقدة استراتيجية في مشروع كسر الصين، لأن إسقاط إيران أو إخضاعها يعني بالنسبة لواشنطن: تطويق الصين بالطاقة، إعادة السيطرة على أسواق النفط، تفكيك مسارات “الحزام والطريق”، ووضع آسيا كلها تحت ضغط استراتيجي دائم.

 

ويشير عوض إلى أن الأمريكي يتحرك بعقلية “السيطرة على الشرايين”، أي السيطرة على: المضائق، البحار، طرق التجارة، وخطوط نقل الطاقة، لأن من يسيطر على هذه المفاصل يمتلك القدرة على خنق الاقتصاد العالمي أو تحريره.

 

لذلك يرى أن معركة الخليج ليست مجرد معركة عسكرية، بل معركة على خرائط الاقتصاد العالمي القادم. ومن هنا يقرأ محاولات واشنطن فرض وقائع بحرية جديدة في الخليج، وإرسال المدمرات والأساطيل، ومحاولة تكريس فكرة أن الملاحة الدولية لا تزال تحت الهيمنة الأمريكية الكاملة.

 

لكن عوض يعتبر أن ما أربك واشنطن هو أن إيران لم تتصرف كدولة معزولة أو خائفة، بل كجزء من محور دولي أوسع يمتلك عمقًا آسيويًا وصينيًا وروسيًا، ولهذا جاءت ردودها البحرية محسوبة لكنها حاسمة في منع تثبيت قواعد اشتباك جديدة لصالح الأمريكي.

 

وفي موازاة ذلك، يلفت إلى أن الصين تتحرك بهدوء شديد ولكن بفاعلية كبيرة، فهي – بحسب قراءته – لا تريد حربًا شاملة الآن، لكنها أيضًا لا تستطيع السماح بسقوط إيران أو بخسارة الخليج لصالح السيطرة الأمريكية المطلقة، لأن ذلك سيعني خنق الاقتصاد الصيني نفسه.

 

ولهذا يفسر عوض الحراك الباكستاني، والوساطات، ومحاولات التهدئة، باعتبارها جزءًا من تدخل آسيوي أوسع لمنع انفجار شامل يهدد المصالح الصينية الكبرى.

 

كما يتوقف عند نقطة يعتبرها بالغة الخطورة، وهي أن واشنطن لا تعمل فقط على السيطرة العسكرية، بل أيضًا على إعادة رسم خرائط التجارة العالمية. وهنا يربط بين: مشاريع السكك الحديدية الجديدة التي وقعها الجانبان الأردني والإماراتي الذي يربط معان بالعقبة (أي فلسطين المحتلة* لنقل الفوسفات ، والذي يراه جزء من التحركات الخليجية نحو مشروع الممر الهندي، إضافة إلى التحولات في سوريا والعراق، والمنافسة على طرق نقل النفط والغاز، معتبرًا أن كل هذه الملفات مترابطة ضمن معركة كبرى عنوانها: من يسيطر على اقتصاد العالم القادم؟

 

وفي هذا الإطار يفسر عوض محاولة ترامب الذهاب إلى الصين رغم التصعيد، باعتبارها محاولة لعقد صفقة كبرى تقوم على إغراء بكين بالنفط والأسواق والاستقرار مقابل تخفيف دعمها لإيران وروسيا. لكنه يعتبر أن القيادة الصينية تدرك أن هذه “العروض” تخفي محاولة استراتيجية لتطويقها تدريجيًا، ولذلك يصعب أن تقدم تنازلًا جذريًا يمس تحالفاتها الكبرى.

 

ومن هنا يخلص عوض إلى أن الخليج لم يعد مجرد ساحة إقليمية، بل أصبح مركز إعادة تشكيل النظام الدولي كله، وأن أي صاروخ، أو اشتباك بحري، أو حصار، أو تفاوض في هذه المنطقة، يحمل في داخله أبعاد الحرب الشاملة الجديدة بين الشرق الصاعد والغرب الذي يقاتل لمنع أفول هيمنته.

 

 

*المحور الثالث: باكستان والتحالف الإسلامي الجديد*

 

يتوقف ميخائيل عوض مطولًا عند الدور الباكستاني الصاعد، الذي كان أول من أشار إلى ضرورة التنبه لدوره كبجعة سوداء ستظهر بالضرورة معتبرًا أن ما يجري ليس مجرد وساطة سياسية عابرة، بل مؤشر على ولادة تموضع استراتيجي جديد داخل العالم الإسلامي وآسيا معًا. فبحسب قراءته، دخول باكستان إلى قلب المشهد بهذا الحجم يعكس تحولات أعمق بكثير من حدود الأزمة الخليجية نفسها، ويشير إلى إعادة تشكيل محور إسلامي–آسيوي جديد يتداخل فيه الأمن بالطاقة بالاقتصاد بالموقع الجيوسياسي.

 

ويشدد عوض على أن أهمية باكستان لا تنبع فقط من كونها دولة إسلامية كبرى، بل من موقعها داخل المعادلة الدولية الجديدة:

 

– دولة نووية إسلامية

– لم تعترف بإسرائيل

– تملك جيشًا ضخمًا

– متصلة جغرافيًا بالصين وإيران والخليج

– وتشكل بوابة استراتيجية بين آسيا الوسطى والمحيط الهندي والعالم الإسلامي

 

ومن هنا يرى أن تحرك إسلام آباد في ملف التهدئة لا يمكن فصله عن الحسابات الصينية الكبرى، لأن بكين – وفق طرحه – تعتبر أن أي انفجار واسع في الخليج سيهدد مباشرة: طرق التجارة، إمدادات الطاقة، مشروع الحزام والطريق، والتوسع الاقتصادي الآسيوي الذي تعمل عليه منذ سنوات.

 

ولهذا يقرأ عوض الوساطة الباكستانية باعتبارها تعبيرًا عن إرادة آسيوية جماعية لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة قد تعطل عملية انتقال مركز الثقل العالمي نحو الشرق.

 

كما يشير إلى أن باكستان لم تتحرك بوصفها وسيطًا تقنيًا محايدًا، بل بوصفها ممثلًا غير معلن لكتلة إسلامية سنية واسعة بدأت تتبلور تدريجيًا خارج الإطار التقليدي الذي حكم المنطقة لعقود. ولذلك يلفت إلى حديثها باسم “قوى ودول إسلامية” وليس باسمها فقط، معتبرًا أن هذا التطور يحمل دلالات استراتيجية كبيرة، لأنه يكشف بداية تشكل محور سياسي–أمني جديد يبحث عن موقع مستقل داخل النظام الدولي المتحول.

 

وفي هذا السياق يرى عوض أن الصين تلعب دور “المنظم الصامت” لهذا التموضع، فهي لا تريد الظهور كقائد مباشر لتحالفات سياسية وعسكرية، لكنها تعمل عبر: الاقتصاد، الاستثمارات، الممرات التجارية، وشبكات النفوذ الهادئ، على بناء فضاء آسيوي مترابط قادر على تقليص الهيمنة الأمريكية تدريجيًا.

 

ومن هنا تصبح باكستان إحدى الأدوات المركزية في هذا المشروع، ليس فقط بحكم قوتها العسكرية، بل أيضًا بحكم قدرتها على مخاطبة العالم الإسلامي السني من موقع مقبول وغير تصادمي.

 

ويذهب عوض إلى أن بروز هذا الدور الباكستاني يكشف في المقابل تراجع أدوار عربية تقليدية كانت تاريخيًا تمثل مركز الثقل السياسي في المنطقة. فالتردد، والانقسامات، والارتهانات، والتبدلات الداخلية، كلها عوامل فتحت المجال أمام قوى جديدة لملء الفراغ:

 

– باكستان سياسيًا وأمنيًا

– تركيا حركيًا وجيوسياسيًا مع هشاشة هذا الدور نظرا لتبعية أردوغان المعروفة لمشروع لوبي الشركات الصهيوأمريكي

– وقوى آسيوية مرتبطة بالصين اقتصاديًا واستراتيجيًا

 

ولذلك يعتبر أن المنطقة تشهد للمرة الأولى منذ عقود بداية انتقال فعلي لمركز القرار من الغرب باتجاه آسيا، ليس فقط اقتصاديًا، بل أيضًا سياسيًا وأمنيًا.

كما يربط عوض بين هذا التحول وبين طبيعة الحرب الحالية نفسها، لأن الصراع – وفق منطقه – لم يعد يدور فقط حول الحدود أو الأنظمة، بل حول من يمتلك حق قيادة العالم الإسلامي وربطه بالمشروع الدولي القادم: هل يبقى تابعًا للمنظومة الغربية؟ أم يتحول تدريجيًا إلى جزء من الكتلة الآسيوية الصاعدة بقيادة الصين؟

 

ومن هنا يفسر الحراك الباكستاني باعتباره جزءًا من معركة أوسع على إعادة تشكيل خرائط التحالفات في الشرق الأوسط وآسيا، حيث لم تعد التحالفات تُبنى فقط على أساس الأيديولوجيا أو الانقسام الطائفي، بل على أساس: الطاقة، الممرات، الاقتصاد، والتموضع داخل النظام العالمي الجديد.

 

 

*المحور الرابع: لماذا يبقى احتمال الانفجار قائمًا؟*

 

رغم كل المؤشرات التي توحي بوجود مسار تهدئة نسبي، يصر عوض في هذه الحلقة على أن المنطقة ما تزال تقف فوق فوهة انفجار كبير، وأن أي قراءة تعتبر أن الخطر تراجع نهائيًا هي قراءة مضللة لا تفهم طبيعة الحرب الجارية ولا طبيعة القوى المنخرطة فيها. فبحسب طرحه، المشكلة الأساسية ليست في وجود تفاوض أو غياب تفاوض، بل في أن الحرب نفسها لم تحقق أهدافها بعد، وما دامت الأهداف الكبرى لم تُحسم فإن احتمالات العودة إلى التصعيد تبقى قائمة في أي لحظة.

 

ويشرح عوض أن هذه الحرب تختلف عن الحروب التقليدية المحدودة، لأنها ليست معركة حدود أو نزاعًا على ملف جزئي، بل حرب إعادة تشكيل توازنات دولية وإطلاق عالم جديد. ولهذا السبب لا يمكن أن تنتهي بسهولة أو بتفاهم سريع، لأن القوى الكبرى تعتبر أن نتائج هذه المواجهة سترسم شكل العالم لعقود طويلة مقبلة. ومن هنا تصبح كل هدنة مجرد محطة مؤقتة داخل صراع أوسع، وليس نهاية فعلية له.

 

وفي هذا السياق يلفت إلى أن أخطر ما في المشهد هو تعدد اللاعبين وتشابك مصالحهم. فالميدان لم يعد مقتصرًا على مواجهة مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، بل تحول إلى شبكة اشتباك دولية وإقليمية معقدة تضم: إسرائيل، القوى البحرية الغربية، الصين، روسيا، تركيا، وقوى إقليمية متعددة لكل منها حساباتها وأهدافها الخاصة.

 

وهذا التداخل – بحسب عوض – يجعل المنطقة شديدة القابلية للاشتعال، لأن أي خطأ تكتيكي أو سوء تقدير أو مبادرة منفلتة قد تتحول إلى شرارة تفجر مواجهة واسعة. ولذلك يكرر فكرة “البجعات السوداء” أو الأحداث غير المتوقعة التي يمكن أن تقلب المسارات خلال لحظات، مستشهدًا بما جرى في السابع من أكتوبر، حين انفجر حدث لم يكن أحد يتوقع حجمه ولا تداعياته، فتحول إلى نقطة تغيير كبرى في المنطقة والعالم.

 

ومن هنا يعتبر أن حالة الاستنفار القصوى بحد ذاتها تنتج احتمالات الانفجار. فحين تكون الأساطيل متأهبة، والرادارات مفتوحة، والصواريخ جاهزة، والجميع يتحرك تحت ضغط الخوف والترقب، يصبح احتمال الاشتباك شبه دائم حتى لو كانت هناك رغبة سياسية في التهدئة. ولهذا يرى أن الحرب أحيانًا لا تحتاج إلى قرار مركزي شامل كي تنفجر، بل يكفي احتكاك محدود أو خطأ ميداني أو محاولة اختبار قوة حتى تتدحرج الأمور بسرعة خارج السيطرة.

 

ويعطي عوض أهمية خاصة لما يسميه “الاحتكاك تحت النار”، وهو المفهوم الذي يستخدمه لتفسير طبيعة الاشتباكات البحرية الأخيرة في الخليج. فبحسب شرحه، تحاول الولايات المتحدة خلال فترات التهدئة أن تمرر وقائع ميدانية جديدة بهدوء: إرسال مدمرات، توسيع حركة الأساطيل، اختبار ردود الفعل الإيرانية، وخلق انطباع بأن السيطرة البحرية ما تزال أمريكية كاملة.

 

لكن الإيراني – وفق قراءته – يتعامل مع هذه التحركات باعتبارها محاولات اختراق استراتيجية، لذلك يسارع إلى الاشتباك المحدود أو الإنذار بالنار لمنع تثبيت أي معادلة جديدة. وهنا بالتحديد يولد خطر الانفجار، لأن الطرفين يتحركان داخل مساحة شديدة الحساسية: الأمريكي يريد اختبار الحدود، والإيراني يريد منع أي اختراق، وكل ذلك يجري في بيئة مشبعة بالتوتر والسلاح والضغط السياسي.

 

كما يربط عوض احتمالات التصعيد بالوضع الداخلي الأمريكي، معتبرًا أن ترامب يتحرك تحت ضغط الوقت والاستحقاقات الكبرى. فهو – بحسب طرحه – لا يملك ترف الانتظار الطويل، لأنه يحتاج إلى: إنجاز اقتصادي، اختراق سياسي، ترتيب مع الصين، إثبات الهيمنة الأمريكية، ومنح الداخل الأمريكي صورة “الرئيس المنتصر”.

 

لذلك يرى أن ترامب يميل بطبيعته إلى المغامرة ومحاولة فرض الوقائع بسرعة، حتى لو حمل ذلك مخاطر عالية. فهو لا يريد حربًا شاملة مدمرة، لكنه يريد انتصارات تكتيكية متراكمة تسمح له بإعادة فرض صورة القوة الأمريكية. ومن هنا يفسر عوض محاولات واشنطن اللعب على “حافة الخط الأحمر”، عبر خطوات محسوبة لكنها شديدة الخطورة.

 

وفي المقابل، يشير إلى أن الإيراني يتصرف بعقل بارد نسبيًا، محاولًا امتصاص الضربات ومنع الانجرار إلى مواجهة شاملة قبل أوانها، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح بتثبيت وقائع استراتيجية ضده، ما يبقي حالة الاشتباك مفتوحة دائمًا.

 

ويخلص عوض إلى أن المنطقة دخلت مرحلة “الحرب المستمرة منخفضة الوتيرة”، أي الحرب التي لا تتوقف بالكامل ولا تنفجر بالكامل، بل تتحرك بين: الاحتكاك، الاستنزاف، الردع، المفاوضات، والاشتباكات المحدودة.

 

لكن خطورة هذه المرحلة تكمن في أن أي احتكاك صغير قد يتحول فجأة إلى انفجار واسع، لأن كل القوى تعمل داخل معركة تاريخية تعتبرها معركة مصير، لا مجرد أزمة عابرة قابلة للاحتواء السريع.

 

وفي خلاصة هذا المحور، يرى عوض أن ما يجري اليوم ليس مجرد وساطة لمنع حرب، بل بداية إعادة تركيب عميقة للبنية الجيوسياسية في العالم الإسلامي، حيث تتقدم آسيا تدريجيًا إلى مركز القيادة، بينما يتراجع الاحتكار الغربي التقليدي لمفاصل القرار الدولي.

 

*المحور الخامس: معركة المضائق والبحار… من يملك شرايين العالم؟*

 

في هذا المحور يقدّم ميخائيل عوض قراءة تعتبر أن جوهر الصراع الدائر اليوم يتمركز حول السيطرة على البحار والمضائق وخطوط الطاقة، لأن المعركة الحقيقية – بحسب طرحه – لم تعد فقط معركة جيوش وحدود، بل معركة على “شرايين العالم” التي تتحكم بحركة الاقتصاد الدولي والتجارة والطاقة. ومن هنا يفسر التصعيد البحري في الخليج باعتباره أحد أخطر وجوه الحرب الحالية، لأن من يفرض معادلاته في البحر يمتلك القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي كله، لا في المنطقة فقط.

 

ويشرح عوض أن الولايات المتحدة تدرك أن تراجع هيمنتها الدولية بدأ يظهر بوضوح في البر والاقتصاد والأسواق، لذلك تحاول التمسك بالمجال الذي ما تزال تعتبر نفسها الأقوى فيه: السيطرة البحرية. ولهذا السبب تتحرك واشنطن باستمرار لإثبات أن المضائق والممرات الاستراتيجية ما تزال تحت نفوذها المباشر، وأن الأساطيل الأمريكية قادرة على فرض حرية الملاحة بالقوة متى أرادت.

 

وفي هذا السياق يربط عوض بين إعلان ما سماه الأمريكي “عمليات الحرية” في البحر وبين محاولة فرض وقائع جديدة بعد التهدئة. فبحسب قراءته، لم يكن الهدف مجرد حماية سفن أو تأمين عبور محدود، بل اختبار قدرة إيران على منع التمدد البحري الأمريكي، ومحاولة إظهار أن واشنطن ما تزال صاحبة اليد العليا في الخليج ومضيق هرمز والبحار المحيطة.

 

ومن هنا يفسر محاولات تمرير المدمرات والبوارج الأمريكية بشكل متكرر خلال فترات خفض التصعيد، باعتبارها جزءًا من حرب اختبار الإرادات. فالأمريكي – وفق منطقه – يبدأ بخطوة صغيرة: تمرير مدمرة، ثم عدة قطع بحرية، ثم توسيع الحركة، ثم تكريس وجود دائم، ليتحول الأمر تدريجيًا إلى قاعدة استراتيجية جديدة تفرض على الجميع التسليم بالتفوق الأمريكي.

 

لكن عوض يرى أن الإيراني فهم هذه اللعبة جيدًا، ولذلك تعامل مع أي اختراق بحري باعتباره تهديدًا استراتيجيًا لا مجرد حركة عسكرية عابرة. ولهذا جاءت ردود طهران – وفق طرحه – سريعة ومدروسة، عبر: الإنذار بالنار، الاشتباك المحدود، إظهار الجهوزية الصاروخية، ومنع تثبيت أي وقائع جديدة في البحر.

 

ويعتبر أن الإيراني حاول من خلال هذه الردود توجيه رسالة واضحة مفادها أن الخليج لم يعد بحيرة أمريكية مفتوحة، وأن أي محاولة لفرض السيطرة الأحادية ستواجه برد مباشر مهما كانت الظروف السياسية أو مسارات التفاوض الجارية.

 

كما يشير عوض إلى أن أخطر ما في هذه الاشتباكات البحرية أنها تجري “تحت سقف الحرب وتحت سقف التهدئة معًا”، أي في لحظة شديدة الحساسية حيث يحاول كل طرف تحسين شروطه دون الذهاب إلى مواجهة شاملة. وهنا تحديدًا تصبح احتمالات الانفجار أعلى، لأن الاحتكاك البحري بطبيعته سريع ومتقلب، وأي خطأ أو تقدير خاطئ قد يتحول خلال دقائق إلى مواجهة واسعة.

 

وفي قراءته للمشهد، يرى عوض أن الأمريكي يتحرك بدافع الحاجة الملحة إلى إثبات القوة، لأن الوقت لم يعد يعمل لصالحه. فكل يوم يمر دون فرض وقائع جديدة يعني: تآكل الهيبة الأمريكية، توسع النفوذ الآسيوي، تعاظم دور الصين، وتزايد ثقة القوى المناهضة للهيمنة الغربية.

 

أما إيران، فهي – بحسب وصفه – تتحرك بعقلية “منع الاختراق”، أي منع الأمريكي من تحقيق حتى المكاسب الصغيرة، لأنها تدرك أن تراكم الإنجازات الجزئية قد يتحول لاحقًا إلى اختراق استراتيجي كبير.

 

ومن هنا يخلص عوض إلى أن معركة الخليج اليوم ليست معركة على ممر مائي فقط، بل معركة على مستقبل النظام الدولي نفسه. فمن يسيطر على المضائق يسيطر على النفط، ومن يسيطر على النفط يملك قدرة هائلة على التأثير في الاقتصاد العالمي والتحالفات السياسية ومسارات القوة الدولية.

 

ولهذا تصبح البحار، في رؤية عوض، الساحة الأكثر حساسية في الحرب الجارية، لأنها تختصر الصراع كله: أمريكا تحاول الحفاظ على الهيمنة البحرية العالمية، وإيران ومعها القوى الآسيوية الصاعدة تحاول كسر الاحتكار الأمريكي وفرض توازنات جديدة.

 

أما النتيجة حتى الآن، فيعتبر عوض أن طهران نجحت في منع واشنطن من فرض سيطرة مستقرة أو قواعد اشتباك دائمة في الخليج، ما يعني أن “اليد العليا” في معركة الإرادات البحرية ما تزال – حتى اللحظة – تميل لمصلحة إيران، رغم استمرار التوتر والاحتكاكات واحتمالات التصعيد في أي وقت.

 

*المحور السادس: الصين… الهدف البعيد للحرب ومركز الصراع القادم*

 

يقدّم عوض مقاربة يعتبر فيها أن كل ما يجري في الخليج والمنطقة لا يمكن فهمه بصورة كاملة إذا جرى عزله عن الصراع الأمريكي–الصيني، لأن الحرب – في جوهرها العميق – ليست حربًا على إيران فقط، بل حرب على مستقبل الصين نفسها وعلى مشروع انتقال مركز القوة العالمي من الغرب إلى الشرق. ومن هنا يرى أن واشنطن تخوض معركة استباقية هدفها منع بكين من التحول إلى القوة الأولى عالميًا، سواء اقتصاديًا أو ماليًا أو استراتيجيًا.

 

ويشرح عوض أن الولايات المتحدة باتت تنظر إلى الصين باعتبارها التهديد التاريخي الأكبر لهيمنتها منذ نهاية الحرب الباردة، لأن بكين لم تعد مجرد قوة صناعية أو تجارية، بل أصبحت: قوة مالية، وتكنولوجية، وبحرية، وطاقوية، وتعمل على بناء فضاء اقتصادي عالمي مستقل عن السيطرة الأمريكية.

 

ولهذا السبب يربط عوض بين كل الملفات المشتعلة حاليًا: الحرب التجارية، العقوبات، الضرائب، الحصار التكنولوجي، الاشتباك البحري في الخليج، التوتر في بحر الصين، الصراع على الممرات، ومشاريع النقل والطاقة، معتبرًا أنها ليست ملفات منفصلة، بل حلقات مترابطة في حرب واحدة عنوانها: من يقود العالم في القرن القادم؟

 

وفي هذا السياق يرى أن الخليج يشكل نقطة مركزية في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين، لأن بكين تعتمد بصورة أساسية على استقرار تدفق الطاقة من المنطقة. ولذلك فإن أي قدرة أمريكية على التحكم بالمضائق أو بخطوط النفط والغاز تمنح واشنطن ورقة ضغط هائلة على الاقتصاد الصيني.

 

ومن هنا يفسر عوض محاولات تطويق إيران ومحاصرتها بأنها جزء من محاولة خنق الصين نفسها بصورة غير مباشرة. فإيران – بحسب طرحه – ليست فقط دولة في محور سياسي مناهض لواشنطن، بل عقدة جغرافية واستراتيجية أساسية في مشروع الربط الآسيوي الذي تعمل عليه بكين منذ سنوات عبر “الحزام والطريق”.

 

ولهذا يرى أن إسقاط إيران أو إخضاعها يعني بالنسبة للأمريكي: قطع أحد أهم شرايين الطاقة نحو آسيا، إرباك خطوط التجارة البرية والبحرية، تطويق الصين من الغرب، وفرض هيمنة أمريكية جديدة على الاقتصاد العالمي.

 

لكن عوض يعتبر أن الصين تدرك هذه الحقيقة جيدًا، ولذلك لا تنظر إلى ما يجري في الخليج كأزمة بعيدة عنها، بل كجزء من معركة وجودية تخص مستقبلها الاستراتيجي. ولهذا يقرأ الحراك الصيني – حتى وإن بدا هادئًا – باعتباره تدخلًا مباشرًا لحماية مصالحها الكبرى ومنع انهيار التوازنات التي بنت عليها مشروعها العالمي.

 

كما يشير إلى أن بكين تعتمد أسلوبًا مختلفًا عن الأسلوب الأمريكي؛ فهي لا تتحرك عبر الضجيج العسكري المباشر بقدر ما تتحرك عبر: الاقتصاد، الاستثمارات، الموانئ، الممرات التجارية، والتحالفات الهادئة بعيدة المدى.

 

لكن هذا الهدوء – وفق عوض – لا يعني الحياد، بل يعكس عقلًا استراتيجيًا طويل النفس يعمل على استنزاف الهيمنة الأمريكية تدريجيًا دون الذهاب إلى صدام شامل قبل اكتمال شروطه.

 

وفي هذا الإطار يفسر عوض إصرار ترامب على الذهاب إلى الصين رغم التصعيد العسكري والتوترات الكبرى، معتبرًا أن واشنطن تحاول فتح باب “الصفقة الكبرى” مع بكين: تأمين النفط، تقديم إغراءات اقتصادية، منح استقرار نسبي للأسواق، مقابل تخفيف الصين دعمها لإيران وروسيا.

 

لكن عوض يرى أن القيادة الصينية تدرك أن هذه العروض تخفي محاولة أمريكية لتفكيك الكتلة الآسيوية الصاعدة، وأن أي تخلي عن إيران اليوم سيعني انتقال الضغط الأمريكي لاحقًا مباشرة إلى الصين نفسها، ولذلك يستبعد أن تقدم بكين تنازلًا استراتيجيًا يمس جوهر تحالفاتها أو أمنها الطاقوي.

 

كما يربط بين هذا الصراع وبين مشاريع إعادة رسم خرائط التجارة العالمية، معتبرًا أن المعركة لم تعد فقط على من يملك النفط، بل على: من يملك طرق نقله، ومن يتحكم بالموانئ، ومن يدير خطوط السكك الحديدية، ومن يفرض القواعد البحرية والاقتصادية الجديدة.

 

ومن هنا يقرأ مشاريع الممرات الجديدة، والتحركات الخليجية، ومحاولات إعادة تشكيل طرق التجارة، باعتبارها جزءًا من الحرب الكبرى على “طريق الحرير” الصيني ومحاولة منعه من التحول إلى العمود الفقري للاقتصاد العالمي القادم.

 

وفي الخلاصة، يرى عوض أن الصين أصبحت الهدف البعيد لكل ما يجري في المنطقة، وأن الحرب الحالية ليست سوى مرحلة من مراحل الاشتباك الكبير على مستقبل النظام الدولي. فالمواجهة الحقيقية – بحسب طرحه – لم تعد بين دول إقليمية فقط، بل بين مشروعين عالميين: مشروع غربي يقاتل للحفاظ على الهيمنة، ومشروع آسيوي صاعد يسعى لقيادة العالم الجديد.

 

ولهذا تصبح كل مواجهة في الخليج، وكل حصار، وكل تحرك بحري أو اقتصادي، جزءًا من حرب تاريخية أوسع عنوانها النهائي: هل يبقى العالم أمريكيًا… أم يبدأ القرن الآسيوي بقيادة الصين؟

(أخبار سوريا الوطن-الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بعض تفاصيل التصعيد العسكري المستمر :الولايات المتحدة تواصل عملياتها .. وإيران ترد والوسطاء يواصلون جهودهم لاحتواء الأزمة 

    اعداد: أسرة التحرير شهدت الساعات الممتدة منذ مساء أمس وحتى صباح اليوم تصعيدًا جديدًا في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، مع تنفيذ القوات ...