بقلم: المهندس محمود محمد صقر
هناك مقالات تُقرأ ثم تُطوى صفحتها، وهناك مقالات تستحق أن تتحول إلى حوار وطني هادئ. ومن هذا النوع، في رأيي، المقال الذي كتبه القاضي حسين حمادي حول متطلبات الانتقال من مرحلة إسقاط النظام إلى مرحلة بناء الدولة.
تكمن أهمية المقال في أنه يعيد طرح أسئلة كبرى تشغل ذهن كل سوري اليوم: كيف نبني الدولة؟ كيف نمنع عودة الاستبداد؟ وكيف نؤسس لشرعية وطنية يشعر الجميع أنهم جزء منها؟
لقد أصاب الكاتب عندما أكد أن الدولة لا تُبنى بالإقصاء، ولا تستقر بالهيمنة، ولا تتعافى بالانفراد بالقرار. كما أن حديثه عن الحوار الوطني والميثاق الوطني والمؤسسات الدستورية يعبر عن إدراك عميق لحاجة سوريا إلى عقد وطني جديد يعيد جمع السوريين حول رؤية مشتركة للمستقبل.
غير أن أي قراءة واقعية للمشهد السوري تقتضي النظر إلى الصورة كاملة.
فالمجتمع السوري اليوم ليس مجتمعًا يعيش نقاشًا سياسيًا مجردًا، بل مجتمع خرج من سنوات طويلة من الحرب والصراع، وقد دفع أثمانًا باهظة على المستويات كافة. فهناك مئات الآلاف من الضحايا والجرحى، وملايين المهجرين والنازحين داخل البلاد وخارجها، وأسر فقدت أبناءها أو مصادر رزقها، وأجيال نشأت في ظروف استثنائية تركت آثارًا عميقة في الوعي والنسيج الاجتماعي.
كما تراكمت الأعباء الاقتصادية والمعيشية بصورة غير مسبوقة، وتراجعت القدرة الشرائية، واتسعت دائرة الفقر، وتآكلت الطبقة الوسطى التي كانت تاريخيًا أحد عوامل الاستقرار والتوازن في المجتمع.
ولا يمكن الحديث عن إصلاح المؤسسات دون التوقف عند أحد الأسباب الرئيسية التي أضعفت فاعليتها خلال العقود الماضية، وهو تغلغل النهج الأمني في مفاصل الإدارة العامة، وتداخل السلطات والصلاحيات على نحو أضعف استقلالية القرار الإداري وأثر في كفاءة المؤسسات.
ففي كثير من الأحيان لم تعد معايير الكفاءة والخبرة وحدها هي الحاكمة لمسار العمل العام، بل دخلت اعتبارات النفوذ والولاء في صناعة القرار، الأمر الذي ساهم في انتشار مظاهر الفساد والمحسوبية وإضعاف الرقابة والمساءلة.
ومع ذلك، فإن سوريا لا تبدأ من فراغ.
فما زالت هناك مؤسسات وقوانين وجامعات ونقابات وخبرات وكفاءات وهياكل إدارية يمكن البناء عليها وتطويرها. ولذلك فإن المطلوب ليس هدم الدولة وإعادة بنائها من الصفر، بل إصلاح ما تراكم فيها من اختلالات، وإعادة توجيهها نحو خدمة المواطن وتحقيق التنمية.
ومن هنا أرى أن الحوار الوطني الذي يدعو إليه القاضي حسين حمادي يكتسب أهمية مضاعفة، بشرط ألا يتحول إلى نقاش سياسي مغلق بين النخب وحدها، بل إلى مساحة وطنية واسعة يشارك فيها السياسي والاقتصادي والإداري والمهندس والأستاذ الجامعي والدكتور والمحامي ورجل الأعمال والفلاح والعامل والشباب من مختلف المحافظات.
فالمطلوب ليس فقط الاتفاق على شكل الدولة، بل الاتفاق أيضًا على أولوياتها.
ليس فقط كيف ننتخب، بل ماذا سننتج.
ليس فقط كيف تتوزع السلطات، بل كيف نعيد تشغيل المصانع، وتنشيط الزراعة، وتحسين الخدمات، وخلق فرص العمل.
ولعل تجارب الأمم الأخرى تذكرنا بأن الانتقال من مرحلة إلى أخرى لا يحدث بلمسة سحرية. فدول مثل بولندا ورومانيا وجنوب أفريقيا وتشيلي والأرجنتين لم تستيقظ صباحًا لتجد نفسها قد أصبحت دولًا مستقرة ومزدهرة بمجرد تغير النظام السياسي أو انتهاء مرحلة من تاريخها.
لقد واجهت هذه الدول سنوات صعبة من الارتباك الاقتصادي والتوتر الاجتماعي وصراع المصالح وتراجع مستويات المعيشة وارتفاع البطالة وهجرة الكفاءات. ففي بعضها كان التحدي في تفكيك إرث الأنظمة الشمولية، وفي بعضها كان التحدي في معالجة جراح الانقسام والتمييز، وفي بعضها الآخر كان الخلل في تكرار الأزمات الاقتصادية وضعف الثقة بالمؤسسات رغم وفرة الموارد.
لكن ما جمع التجارب التي استطاعت التقدم، ولو بدرجات متفاوتة، هو أنها لم تكتفِ بتغيير العناوين السياسية، بل حاولت بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وإطلاق اقتصاد منتج، وتوسيع المشاركة المجتمعية، واستعادة الثقة تدريجيًا بين الدولة والمواطن.
ولهذا فإن نجاح سوريا لن يقاس بسرعة إصدار القوانين فقط، ولا بسرعة تشكيل الهيئات والمؤسسات، بل بقدرتها على تحويل التوافق الوطني إلى سياسات واقعية تعيد بناء الاقتصاد، وتستثمر طاقات السوريين، وتمنح الناس أسبابًا حقيقية للبقاء والعمل داخل وطنهم.
ولذلك فإن الإصلاح السياسي، على أهميته، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مسارًا منفصلًا عن بقية المسارات، بل جزءًا من مشروع وطني أشمل يقوم على ثلاثة محاور متكاملة:
إصلاح سياسي يوسع المشاركة ويعزز الحوار ويؤسس لشرعية وطنية جامعة.
وإصلاح إداري يعيد الكفاءة والشفافية والمساءلة إلى مؤسسات الدولة، ويكافح الفساد ويستعيد ثقة المواطنين بها.
ومشروع اقتصادي إنتاجي يعيد الحركة إلى المجتمع، ويوفر فرص العمل، ويطلق طاقات السوريين في الزراعة والصناعة والخدمات والاستثمار.
فالإنسان الذي يجد عملًا، ويرى مدينته تتحسن، ويشعر أن صوته مسموع، يستعيد ثقته بالمستقبل تدريجيًا. أما إذا طال الجدل السياسي دون نتائج ملموسة على الأرض، فقد تتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع مهما كانت النوايا حسنة.
ولهذا فإن نجاح أي ميثاق وطني أو مؤتمر وطني لا يُقاس بعدد المشاركين فيه فقط، بل بقدرته على إنتاج رؤية قابلة للتنفيذ تنعكس على حياة الناس اليومية، وتعيد ربط السياسة بالتنمية، والدولة بالمجتمع، والحقوق بالواجبات، والحرية بالمسؤولية.
فالأوطان لا تنهض بالوثائق وحدها، ولا بالمشاعر وحدها، بل حين تتحول الرؤى المشتركة إلى مدارس أفضل، وطرق أكثر كفاءة، وحقول أكثر إنتاجًا، ومؤسسات أكثر نزاهة، وفرص تعيد للناس ثقتهم بالغد.
وعندها فقط يمكن القول إن سوريا لم تنجح في إسقاط مرحلة من تاريخها فحسب، بل نجحت أيضًا في بناء مرحلة جديدة تليق بتضحيات أبنائها وآمال أجيالها القادمة.
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

