آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » قراءة هادئة في تحولات الشرق الأوسط(6)..حين تدخل المجتمعات إلى قلب الصراع

قراءة هادئة في تحولات الشرق الأوسط(6)..حين تدخل المجتمعات إلى قلب الصراع

 

بقلم: المهندس محمود محمد صقر

لم تعد الحروب تُخاض على الحدود فقط…
بل بدأت تدخل إلى الوعي،
وإلى اللغة،
وإلى تفاصيل الحياة اليومية.

مع بداية الثمانينيات،
لم تكن المنطقة أمام صراعٍ جديد فحسب،
بل أمام مرحلة تتداخل فيها الأرض بالأيديولوجيا،
والسياسة بالمجتمع،
والشعارات بالمصير.

لم تعد المواجهة مجرد معركة عسكرية،
بل تحولت إلى حالة شعورية واسعة،
تُستحضر فيها الذاكرة،
ويُعاد من خلالها تعريف معنى الأرض،
ومعنى المقاومة،
ومعنى الانتماء نفسه.

في تلك السنوات،
لم تعد التنظيمات مجرد أطراف سياسية،
بل أصبحت جزءًا من مشهدٍ أكبر،
تتشابك فيه الحسابات الإقليمية،
مع التحولات الدولية،
ومع خوف المنطقة من أن تفقد توازنها بالكامل.

تقدمت الشعارات بسرعة،
وامتلأت المساحات العامة بلغة التعبئة،
في وقتٍ كانت فيه المجتمعات تبحث عن معنى للصمود،
ومخرجٍ من سلسلة الهزائم والانقسامات.

لكن المشهد كان أكثر تعقيدًا مما يبدو.

ففي الوقت الذي كانت فيه بعض القوى ترفع شعارات التحرير،
كانت المنطقة تدخل تدريجيًا
في دوائر استنزاف طويلة،
تغيّرت معها الخرائط،
وتبدلت التحالفات،
وابتعدت قضايا كبرى عن حدودها الأولى…
لتدخل في حسابات أوسع من الجغرافيا نفسها.

وهكذا،
لم تعد الحروب أحداثًا عابرة،
بل أصبحت جزءًا من تكوين جيلٍ كامل…

جيل،
فتح عينيه على أصوات الحروب أكثر مما فتحها على هدوء الحياة،
وكبر وهو يتنقل
بين نشيدٍ يعد بالخلاص،
وخيبةٍ تؤجل الوصول إليه.

يحمل في داخله
ذاكرةً مزدحمة بالهزائم،
وأملًا يرفض أن يموت بالكامل.

لم يكن يعيش الأحداث من بعيد،
بل تشكّل وعيه داخلها.

ومع كل تحوّل جديد،
كانت الأسئلة القديمة تعود بصيغٍ مختلفة.

كيف يمكن الخروج من هذا الدوران الطويل؟
وكيف يمكن أن يتحول الحلم بالتغيير
إلى مشروعٍ قابل للحياة؟

وحين وصلت المنطقة إلى لحظة البحث عن مخرج،
بدت وكأنها تعيد طرح الأسئلة دفعةً واحدة.

وكأن كل ما تراكم في الذاكرة العربية،
من هزائم وأسئلة وانتظار،
وجد طريقه إلى الشارع دفعةً واحدة.

ارتفعت الأصوات،
واختلط الأمل بالغضب،
والرغبة بالتغيير بالخوف من المجهول.

لكن الطريق إلى التغيير،
كما الطريق إلى الاستقرار،
لم يكن مستقيمًا.

فبين الانفعال والرؤية،
وبين الشعار والمشروع،
بقي السؤال مفتوحًا:

كيف يمكن لجيلٍ عاش كل هذا الصراع…
أن يبني أخيرًا بارقة أملٍ لنفسه؟

ومع ذلك،
لم تكن كل المسارات تتجه نحو الانغلاق.

ففي أماكن أخرى،
كان هناك من يفكر بطريقة مختلفة…
لا في كيفية إدارة الصراع فقط،
بل في كيفية الخروج منه.

وهناك،
بدأ الفهم يتحول تدريجيًا
من قراءةٍ للواقع…
إلى مشروعٍ يبحث عن الحياة
لا عن النجاة فقط

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

باحثٌ عن تاريخِ ما بقي حيًّا (2) ..كيف تتحول المعاني إلى قرار؟

    بقلم: متعلِّم مع قارئه المهندس محمود محمد صقر     انتهينا في حديثنا السابق إلى سؤالٍ ظل يرافقني طويلًا:   ما الذي لم ...