آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » كيفن كارتر… المصوّر الذي حاكمه العالم ثم مات وفي داخله كل صور الموت(القصة 2)

كيفن كارتر… المصوّر الذي حاكمه العالم ثم مات وفي داخله كل صور الموت(القصة 2)

 

 

بقلم: علي نفنوف – دبي

 

هناك صور لا تنتهي عندما يغادرها المصوّر.

تظل تلاحقه، تدخل نومه، وتجلس معه إلى مائدة الطعام، وتعود إليه كلما أغمض عينيه. وقد تكون أخطر صورة هي تلك التي يظن العالم أن المصوّر التقطها وانتهى الأمر، بينما تظل هي تلتقطه هو، مرة بعد مرة.

 

هذه هي حكاية المصوّر الجنوب أفريقي كيفن كارتر، والصورة التي هزّت العالم عام 1993: طفل سوداني هزيل من شدة الجوع، منحنٍ على الأرض، وخلفه نسر ينتظر موته لينقض عليه.

 

صورة واحدة جعلت كارتر مشهوراً ومنحته جائزة بوليتزر، لكنها جعلت الجمهور يضعه أيضاً في قفص الاتهام الأخلاقي.

 

قالوا له: كيف استطعت أن تصوّر طفلاً يحتضر بدلاً من أن تنقذه؟

 

وقال آخرون: ربما لم يكن أمامك طفل واحد فقط، بل مجاعة كاملة كان يجب أن يراها العالم.

 

وبين السؤالين عاش كارتر، إلى أن انتهت حياته بصورة أخرى، أكثر قسوة من صورته الشهيرة.

 

السودان… بلد ينهشه الجوع والحرب

 

لفهم الصورة، لا بد أن نعود إلى السودان في بداية التسعينيات.

 

كان جنوب السودان يعيش حرباً أهلية مدمرة، تداخلت فيها الصراعات السياسية والعسكرية مع الجفاف والمجاعة والنزوح. وكانت مناطق واسعة تعاني نقصاً شديداً في الغذاء، فيما أصبح الأطفال والنساء وكبار السن من أكثر الفئات تعرضاً للموت.

 

في عام 1993، كانت مدينة أيود (Ayod) في جنوب السودان واحدة من المناطق التي وصلت إليها عمليات الإغاثة الدولية. كان العالم يعرف أن كارثة إنسانية ضخمة تحدث هناك، لكن حجمها الحقيقي كان بعيداً عن أعين الجمهور الغربي.

 

في ذلك الوقت، كان كيفن كارتر، أحد أعضاء مجموعة المصورين الجنوب أفريقيين المعروفة باسم «بانغ بانغ كلوب» (Bang-Bang Club)، قد اعتاد تصوير العنف الدموي في جنوب أفريقيا خلال سنوات الصراع التي سبقت نهاية نظام الفصل العنصري.

 

كان قد رأى الموت كثيراً.

 

صور الجثث.

 

صور إطلاق النار.

 

صور العنف في الشوارع.

 

لكن السودان كان مختلفاً.

 

هناك لم يكن الموت يأتي دائماً على هيئة رصاصة؛ كان يأتي أحياناً على هيئة طفل لا يملك القوة حتى للوقوف.

 

الرحلة إلى أيود

 

ذهب كارتر إلى السودان في آذار/مارس عام 1993، برفقة المصوّر جواو سيلفا، لتوثيق المجاعة.

 

كانت الرحلة محفوفة بالمخاطر، وكان الصحفيون يعملون في ظروف صعبة، ويزورون المناطق التي ضربها الجوع والمرض والنزوح.

 

وفي أيود، كان هناك مركز تابع لعمليات الإغاثة يقدم الطعام للمتضورين جوعاً. وكان الأطفال يتوجهون إليه في محاولة للوصول إلى الطعام قبل أن تخونهم أجسادهم.

 

وهناك، في مكان ما بين الجوع والموت، رأى كارتر طفلاً صغيراً يحاول الوصول إلى مركز التغذية.

 

كان الطفل ضعيفاً إلى درجة أنه لم يعد يستطيع الاستمرار.

 

سقط على الأرض.

 

وفي تلك اللحظة ظهر النسر.

 

اقترب الطائر من الطفل ووقف خلفه، ينتظر موته لينقض عليه، وكأن الطبيعة نفسها كانت تنتظر النهاية.

 

رفع كارتر كاميرته.

 

اقترب.

 

غيّر زاوية التصوير.

 

وانتظر.

 

وتقول الروايات التي نقلها زميله جواو سيلفا إن كارتر أخبره لاحقاً أنه كان يصوّر الطفل عندما ظهر النسر، وأنه انتظر نحو عشرين دقيقة على أمل أن يفتح النسر جناحيه، لكنه لم يفعل. وبعد التقاط الصور، طرد كارتر النسر بعيداً.

 

وهنا تبدأ الحكاية التي لا تزال تثير الجدل حتى اليوم:

 

لماذا لم يحمِ الطفل؟

 

هذا هو السؤال الذي حوّل المصوّر إلى متهم.

 

كان الناس يريدون إجابة بسيطة:

 

كان هناك طفل يحتضر، وكان هناك مصوّر… فلماذا لم يساعده؟

 

لكن الحقيقة أكثر تعقيداً.

 

لم يترك كارتر النسر يلتهم الطفل أمام عينيه، بل طرده بعد التقاط الصورة. كما أن الصورة التُقطت قرب مركز إغاثة كان الطفل يحاول الوصول إليه، ولم يكن كارتر طبيباً أو عامل إغاثة.

 

ومع ذلك، لم يكن هذا كافياً بالنسبة إلى الرأي العام.

 

فالصورة كانت أقوى من كل التفاصيل التي أحاطت بها.

 

المشاهد لا يرى ما حدث قبل الصورة ولا بعدها.

 

يرى طفلاً على الأرض.

 

ويرى النسر.

 

ويرى رجلاً خلف الكاميرا.

 

وهكذا يصبح المصوّر في ذهن المشاهد جزءاً من المشهد، حتى لو كان دوره الحقيقي أكثر تعقيداً.

 

الصورة تصل إلى نيويورك

 

في 26 آذار/مارس 1993، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الصورة إلى جانب تقرير عن المجاعة في السودان.

 

لم تكن الصحيفة تعرف أن الصورة ستتحول إلى حدث عالمي.

 

لكنها فعلت.

 

بدأ القراء يتصلون بالصحيفة ويسألون:

 

ماذا حدث للطفل؟

 

هل عاش؟

 

هل وصل إلى مركز التغذية؟

 

هل أكله النسر؟

 

وأمام سيل الأسئلة، نشرت الصحيفة توضيحاً قالت فيه إن مصير الطفل لم يكن معروفاً، وإن المصوّر أفاد بأنه غادر المكان بعد أن استعاد الطفل شيئاً من قوته.

 

وهنا لم يعد الجمهور يتعامل مع الصورة بوصفها خبراً، بل بوصفها حياة إنسان معلقة داخل إطار.

 

النسر لم يكن المفترس الوحيد

 

تحولت الأسئلة إلى اتهامات.

 

كيف استطاع المصوّر أن يقف أمام طفل يحتضر ويضغط على زر الكاميرا؟

 

ذهب بعض النقاد إلى تشبيه المصوّر بالنسر نفسه، باعتباره استفاد من مأساة الطفل ليصنع صورة تثير العالم.

 

كانت تلك أقسى ضربة تلقاها كارتر.

 

لكن في المقابل، كان هناك من رأى أن هذا الحكم تجاهل وظيفة الصحافة نفسها.

 

فكارتر لم يصنع المجاعة، ولم يأتِ بها إلى السودان، ولم يكن قادراً على وقف الحرب أو إنقاذ آلاف الأطفال. كان يحمل كاميرا، وقد استطاع بها أن ينقل إلى العالم صورة لم يكن يستطيع نقلها بالكلمات.

 

وهنا أصبحت المسألة أكبر من كارتر:

 

هل وظيفة المصوّر أن ينقذ الإنسان الذي أمامه، أم أن يشهد على مأساة لا يستطيع إيقافها؟

 

ربما لا توجد إجابة واحدة.

 

بوليتزر… الجائزة التي حملت معها الاتهام

 

في عام 1994 حصل كارتر على جائزة بوليتزر عن الصورة.

 

كان ذلك اعترافاً بقوة العمل الصحفي، لكنه لم ينهِ الجدل، بل زاده.

 

فالرجل الذي كافأته الصحافة العالمية على شجاعته المهنية كان في الوقت نفسه يتعرض لمحاكمة أخلاقية من الجمهور.

 

والأهم أن الصورة لم تعد مجرد صورة للمجاعة؛ أصبحت مرآة لمن يشاهدها.

 

هناك من رأى فيها دليلاً على وحشية العالم تجاه الفقراء، وهناك من رأى فيها دليلاً على قسوة المصوّر، وهناك من رأى فيها نداء استغاثة يجب أن يصل إلى العالم.

 

أما كارتر نفسه، فكان أكثر الناس معرفة بثمن الصورة.

 

بعد التقاطها، جلس تحت شجرة وأشعل سيجارة، وكان متأثراً بالمشهد إلى درجة الانهيار، وفقاً لرواية زميله جواو سيلفا.

 

لم يكن الرجل الذي التقط الصورة محصناً ضد الألم.

 

كان يحمل معه صوراً كثيرة من جنوب أفريقيا والسودان، ومن سنوات طويلة قضاها بين العنف والموت.

 

نهاية كارتر

 

في 27 تموز/يوليو 1994، وبعد أشهر قليلة من حصوله على بوليتزر، توفي كيفن كارتر في جوهانسبرغ عن عمر ثلاثة وثلاثين عاماً، في واقعة وُصفت بأنها انتحار نتيجة التسمم بأول أكسيد الكربون.

 

ومنذ ذلك اليوم، التصقت نهايته بصورة الطفل والنسر.

 

لكن اختصار موته في صورة واحدة ظلم حياته أيضاً.

 

كان يعيش تحت ضغوط نفسية ومهنية هائلة، وقد حمل سنوات من مشاهدة العنف والموت، ولم تكن صورة السودان وحدها تفسيراً لنهايته.

 

وربما كان الأصح أن نقول إن الصورة كانت واحدة من الندوب الكثيرة التي حملها معه، لا أنها السبب الوحيد في موته.

 

وماذا حدث للطفل؟

 

لسنوات طويلة عاش العالم معتقداً أن الطفل مات بعد الصورة، وأن النسر كان ينتظر موته.

 

لكن المعلومات اللاحقة كشفت أن الطفل نجا من تلك اللحظة، وأنه واصل حياته بعد ذلك لسنوات، وكان اسمه، وفقاً لأبحاث لاحقة، كونغ نيونغ.

 

وهنا تنقلب الصورة مرة أخرى.

 

ما اعتقده الناس صورة موت، كان في الحقيقة صورة لحظة اقتراب من الموت.

 

وما ظنه البعض دليلاً على قسوة المصوّر، كان في جانب منه توثيقاً لمجاعة حقيقية عاشها آلاف الأطفال.

 

من يبقى بعد الصورة؟

 

رحل كارتر، لكن الصورة بقيت.

 

بقي الطفل في الذاكرة، وبقي النسر رمزاً للموت، وبقي المصوّر واقفاً بينهما، يحمل كاميرا لا تستطيع أن توقف المجاعة، لكنها تستطيع أن تجعل العالم يراها.

 

وهنا ربما تكمن مأساة كيفن كارتر الحقيقية.

 

لقد أراد أن يصوّر الموت لكي يراه العالم، لكن العالم، بعد أن رأى الصورة، بدأ يسأل المصوّر عن أخلاقه، بدلاً من أن يسأل عن العالم الذي سمح لطفل أن يصل إلى هذه الحال.

 

لا يمكن تبرئة كارتر تماماً، ولا إدانته بسهولة.

 

فالمصوّر في لحظة كهذه يقف بين واجبين: واجب الإنسان وواجب الشاهد.

 

لكن صورة واحدة جعلت ملايين الناس يتوقفون أمام مجاعة كانت بعيدة عن أعينهم.

 

وهذا هو الوجه الآخر للصورة التي حاكمه العالم بسببها:

 

ربما لم يستطع كيفن كارتر أن ينقذ الطفل الذي كان أمام عدسته، لكنه جعل العالم يرى آلاف الأطفال الذين لم يكونوا أمام عدسته.

 

وهنا تتحول الصورة من سؤال عن المصوّر إلى سؤال عن البشرية نفسها:

 

من كان يجب أن يشعر بالذنب… الرجل الذي التقط الصورة، أم العالم الذي احتاج إلى صورة طفل يحتضر كي يرى الجوع؟

(أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صورة هزمت النابالم: المصور بين عين الشاهد وضمير الإنسان: جدل الأخلاق في الصور التي غيّرت التاريخ ..الطفلة التي أوقفت الحرب أمام عدسة الكاميرا (القصة 1)

  بقلم: علي نفنوف – دبي   لأن الصورة تقول ما لا يُقال، ولأنهم قالوا إن «صورة واحدة خير من ألف كلمة»، وانطلاقاً من إيماني ...