الرئيسية » كلمة حرة » ليس كلُّ من لا يكذب صادقاً

ليس كلُّ من لا يكذب صادقاً

أسيمة حسن

 

 

يُحكى أن رجلاً كان يمرّ كل مساء ببيتٍ قديم، فيلقي السلام على ساكنيه، ويسأل عن أحوالهم، ويغادر تاركاً خلفه كلماتٍ دافئة تشبه ضوء المصابيح في ليالي الشتاء. وكان الناس يقولون عنه إنه رجلٌ طيب، لا يكذب ولا يؤذي أحداً بكلامه.

لكن امرأةً عجوزاً كانت تراقبه من نافذتها، وتقول لحفيدتها: «يا ابنتي، ليس كلُّ من قال الحقيقة صادقاً، وليس كلُّ من تجنّب الكذب قد أنصف الناس أو أنصف نفسه».
لم تفهم الفتاة يومها ما تقصده جدتها، حتى كبرت، ورأت كيف يمكن للكلمات أن تكون صحيحة، بينما تخفي وراءها نياتٍ لا تشبهها، وكيف يستطيع الإنسان أن يقول كلاماً جميلاً عن الوفاء، ثم يتخلى عند أول امتحان، وأن يتحدث عن العدل، ما دام العدل لا ينتقص شيئاً من مصالحه.

فهمت يومها أن الصدق ليس مجرد حكايةٍ نرويها عن أنفسنا، ولا صفةً نعلّقها على أبوابنا، بل هو ذلك الشيء الخفي الذي يظهر حين لا يرانا أحد، وحين تصبح الحقيقة عبئاً، وتغدو المجاملة طريقاً أسهل للنجاة.
ولعلّ أصعب أنواع الصدق هو الصدق مع الذات؛ أن يقف المرء أمام مرآته بلا أعذار، وأن يعترف بأن بعض خساراته لم تكن من صنع الآخرين وحدهم، وأن بعض الحكايات التي يرويها عن مظلوميته تخفي فصولاً لم يشأ أن يتذكرها.
كم من إنسانٍ يحمّل العالم مسؤولية خيباته، وينسى الوعود التي لم يفِ بها، والقلوب التي خذلها، والفرص التي أضاعها حين اختار مصلحته على حساب ما كان يؤمن به. وكم من كلمةٍ صادقة في ظاهرها، فقدت معناها لأن صاحبها لم يجد الشجاعة ليعيشها.

وفي بلادٍ أثقلتها السنوات، وتعب الناس فيها من الخوف والفقد وضيق العيش، لم تعد الخيبات تحتاج إلى كذبةٍ كبيرة كي تتكاثر؛ يكفي وعدٌ يتكرر ولا يتحقق، أو حاجةٌ يستغلها أحدهم، أو خبرٌ يُنقل بلا يقين، أو ميزانٌ للعدالة يميل حين تتبدل المصالح.
ومع الوقت، تفقد الكلمات ثقتها، فلا يعود الناس يطمئنون إلى الوعود، ولا تكفيهم العبارات المنمّقة، لأنهم تعلّموا أن الكلام قد يفتح الأبواب، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني بيتاً آمناً للثقة.

وليس المطلوب أن يكون الإنسان معصوماً من الخطأ، فالصدق لا يعني الكمال، بل أن يمتلك المرء شجاعة الاعتراف، وأن يعتذر حين يخطئ، وأن يتراجع حين يكتشف أنه لم يكن على حق، وألا يجعل من كبريائه سجناً يحول بينه وبين الحقيقة.

ربما نحتاج اليوم إلى هذا النوع من الصدق أكثر من أي وقتٍ مضى؛ صدقٍ يعيد للوعود معناها، وللعلاقات دفأها، وللمسؤولية قيمتها، ويمنح الإنسان القدرة على أن يبدأ من جديد، من دون أن يختبئ خلف الأعذار أو يجمّل ما لا يستحق التجميل.

فالإنسان لا يصبح صادقاً لمجرد أنه لم يكذب، ولا تُقاس نزاهته بما يقوله عن نفسه، بل بما يفعله حين تتعارض الحقيقة مع مصلحته، وحين يكون الوفاء أصعب من الوعد.

وفي النهاية، ربما كانت جدّتنا تعرف ما لم نتعلمه إلا بعد سنوات طويلة: أن الصدق ليس أن تقول كل ما تعرف، بل ألّا تخون ما تعرف أنه حق، وألّا تقول شيئاً لا يشبهك، وألّا تترك الآخرين يدفعون ثمن حكايةٍ تعرف في قرارة نفسك أنها ليست كاملة.
فبين ما نقول وما نفعل، هناك مسافةٌ لا يردمها الكلام، بل يردمها الصدق.

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حين يصبح الزيتون أكثر من موسم…

أسيمة حسن     في الساحل السوري، لا يأتي موسم الزيتون وحده؛ تأتي معه ذاكرة البيوت، ورائحة الأرض، وأصوات الذين اعتادوا أن يلتقوا تحت الأشجار، ...