أسيمة حسن
يأتي تشرين بخطوات هادئة، كأنه يعرف الطريق إلى الذاكرة…
نسمة باردة في الصباح، ورائحة تراب تبلله أولى زخات المطر، وحسون يخبّئ تغريدته بين أغصان بدأت أوراقها تميل إلى الأصفر والذهبي.
وفجأة، تعود أشياء ظننا أنها بعيدة…
دفاتر المدرسة، ورائحة الكتب الجديدة، ومعطف صغير كانت الأمهات تُصرّ على إلباسنا إياه، وأقدام تركض تحت المطر، ووجوه تضحك بلا سبب. تعود مواقد الشتاء الأولى، وكوب الشاي الذي كان يبدو أكبر من أيدينا الصغيرة، ودفء العائلة حين كان البيت كله يجتمع في مساء واحد.
حتى مواسم الزيتون لها في الذاكرة رائحة تشرينها الخاصة… الحقول، والسلال، وأصوات الأهل، ورائحة الأرض وهي تستعيد عافيتها بعد المطر. تفاصيل بسيطة، لكنها بقيت في مكان عميق منا، وكلما جاء الخريف أيقظها برفق.
وربما لهذا يبدو تشرين اليوم مختلفًا…
نحتاجه لا ليبدّل أوراق الأشجار فقط، بل ليمنحنا نحن أيضًا فرصة لأن نترك ما أثقل أرواحنا خلفنا؛ أن تسقط بعض الأوراق القديمة من ذاكرتنا، دون أن تسقط منها الأشياء الجميلة.
فالحياة لا تتوقف عند فصل مضى… والشجرة التي تتخلى عن أوراقها لا تتخلى عن جذورها.
ولعلّ تشرين يعرف سرّ البدايات أكثر منا…
فحين تفرغ الأشجار أغصانها، تكون في الخفاء تتهيأ لربيع لا نراه بعد.
وحين يطرق المطر نوافذ البيوت، يوقظ في التراب بذورًا ظننا أنها نامت إلى الأبد.
فلنترك للريح ما آن له أن يرحل،
وللأرض ما آن له أن ينبت…
ولنخبّئ في جيوب الأيام القادمة
ضحكة طفل، وتغريدة حسون، ورائحة مطر،
وبعض الضوء…
كي تكبر الحكاية من جديد،
وتورق شجرة لم نكن نعرف
أنها ما زالت في قلوبنا.
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

