آخر الأخبار
الرئيسية » الزراعة و البيئة » هندسة الحواكير.. السناسل الحجرية: فن الجمال والبراعة والصبر والعمل الجماعي في قرانا

هندسة الحواكير.. السناسل الحجرية: فن الجمال والبراعة والصبر والعمل الجماعي في قرانا

سليمان خليل

في كل مرة أعيد فيها التأمل في براعة الهندسة التي أنجزتها الأيدي الماهرة والمبدعة، أتوقف طويلًا أمام تلك الخطوط التي رسمت حدود الأراضي الزراعية والبرية في روابي قرانا وحقولها، وفي بلدات ريفنا وجبالنا.
إنها طريقة تجعلك تغوص في التفاصيل طويلًا؛ في كيفية بناء الأحجار ورصفها، ونقلها وتشذيب أطرافها، وتنقية الكبير منها والصغير، ثم تركيبها كالمكعبات فوق بعضها بعضًا، لتكوين أسوار تحدد كل أرض عن سواها، وتمنح الجبل شكلًا جديدًا، وتحوّل قسوته إلى مساحة قابلة للحياة والزراعة.

على مدى سنوات طويلة، ورغم سؤالي لكثير من المعمّرين الذين التقيتهم في تلك القرى المشرئبة بقوة العمل والصبر والإصرار، لم أجد تاريخًا محددًا لبداية هذه الأعمال الهندسية، التي تبدو اليوم وكأنها لوحة فنية ممتدة على سفوح الجبال.

كان كل من يرثها يتابع إصلاحها وصيانتها والحفاظ عليها، جيلًا بعد جيل. وحتى اليوم، ما زالت عملية بنائها وإعادة تأهيلها متعبة وشاقة، وتحتاج إلى كلفة وجهد وخبرة.

وتُسمّى هذه الأسوار السنسلة، وجمعها سناسل، وقد جاءت التسمية من شبهها بالسلاسل إذا نظرت إليها من بعيد. وهي عبارة عن حجارة متوسطة الأحجام، متقاربة ومتراصة، تُبنى في شكل طولي متواصل، غالبًا على امتداد المنحدرات الجبلية، وبما يتناسب مع طبيعة الأرض وانحدارها.

أما “هندسة الحواكير” فهي تسمية اخترتها للتعبير عن هذه التقنية وهذا النمط من البناء، لما تحمله من دلالة على عظمة الإنسان الريفي، وقوة إرادته، وصبره، وصلابته؛ ذلك الإنسان الذي سكن الجرود والجبال، ونفخ فيها الحياة من العدم.

فهذه الأرض لم تكن على ما نراها عليه اليوم من خضرة وزراعات وأشجار مختلفة، لولا ذلك العمل الطويل والتحدي المستمر؛ إصلاح الأرض، وتدريب تربتها على الزراعة، وتنقيتها من البحص والحجارة والصوان، وكسر حدة الجبال وتهذيبها وتحويل مرتفعاتها إلى مساحات صالحة للزراعة، مع تمرير المياه والسماد، وشق الطرق التي تتيح الوصول إلى الحراج والحقول.

وهكذا تحولت الأرض القاسية إلى مشروع زراعي يسترزق منه أهلها ويعيشون عليه في الأزمنة الصعبة، لتغدو في كثير من الأحيان الضمان الذي يُلجأ إليه في المحن.

وحتى بين البيوت السكنية الريفية، ولا سيما القديمة منها، يمكن أن ترى تلك الحواكير ومساكب الزراعة ومحددات الأراضي، التي تتسع لزراعات قصيرة المدى وأخرى طويلة، بمواسم متنوعة تدرّ الخير والبركة.

مشهد يجعلك تتساءل: كيف قضى أجدادنا أوقاتهم؟ وكيف سخّروا قوتهم وإرادتهم لبناء هذه المنشآت وصناعتها بأدوات بسيطة وإمكانات محدودة؟

وكم تركت هذه الأعمال أثرًا كبيرًا انتقل من جيل إلى جيل، بعيدًا عن انتظار الدعم والتمويل والوعود والخطط. فقد أسهمت السناسل في تخليص الأرض من الحجارة التي تعيق حرثها وزراعتها، وفي تخفيف سرعة جريان مياه الأمطار، والمحافظة على التربة من الانجراف، والمساعدة على زيادة احتفاظها بالمياه.

وتختلف السناسل في البادية عنها في الريف. ففي الريف تُبنى السناسل عادةً من عدة طبقات، بما يمنحها قدرة أكبر على الصمود مع الزمن. وكانت تُترك فيها فتحات وممرات تتيح حركة الناس ووسائل النقل بينها، ولا سيما الدواب، لنقل المواسم والحراثة وتأمين مختلف مستلزمات العمل الزراعي.

ويبقى من المهم أن نميّز بين السناسل والرجوم. فالرجوم هي أيضًا من حجارة الأرض نفسها، لكنها تكون، في أبسط صورها، كومة من الحجارة توضع بطريقة معينة، وغالبًا ما تأتي في شكل هرمي، وقد تكون مرتبة بعناية أو عشوائية. وتكون هذه الحجارة في العادة من المنطقة نفسها، ويكون الغرض الأساسي منها تصفية الأرض الزراعية من الحجارة بمختلف أنواعها.

والجميل اليوم أننا نرى ورشًا مستمرة في إعادة تجهيز هذه السناسل بأشكال عمرانية جديدة، تستفيد من تلك الهندسة القديمة وتعيد تقديمها بجماليات تتناسب مع العمارة الحديثة، سواء في المباني أو الأراضي.

وهي خطوة تستحق التشجيع؛ لأنها تمثل نوعًا من الصداقة مع البيئة، وتحافظ على صورة قريبة من روح المكان، كما أنها تشكل مصدر رزق لعائلات امتهنت هذه الحرفة وأتقنتها بالخبرة والممارسة.

إن وراء كل حجر رُصف ووُضع في موقعه يدًا رفعته، وعينًا اختارت مكانه، وخبرة عرفت كيف تجمعه إلى ما حوله.

وراء كل حجر في قرانا وريفنا ومدننا حكاية.

حكاية عظمة، وإيمان، وحب، ووفاء للأرض والوطن.

بارك الله بكل من عمّر حجرًا، ومهّد طريقًا، وفتح بابًا من أبواب الخير والبركة والسلام في حياتنا.

 

 

 

(أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“ذهب أخضر”..مشروع جديد للنباتات الطبية والعطرية في ريف بانياس

      أطلقت مؤسسة “شمعة” للتنمية، بالتعاون مع مديرية الزراعة في طرطوس، مشروع “ذهب أخضر” لتشجيع زراعة النباتات الطبية والعطرية وتطوير إنتاجها، وذلك خلال ...