مروة جردي
مع تصاعد الضربات الإيرانية على القواعد الأميركية في الخليج، سارعت شخصيات بحثية وإعلامية عربية إلى إدانتها، مركّزةً على «سيادة الدول» ومخاطر التصعيد. غير أنّ هذا الخطاب تجاهل الدور العسكري لتلك القواعد في حروب المنطقة، وحوّل النقاش من العدوان الأميركي ــ الإسرائيلي إلى مساءلة المقاومة نفسها
مع بداية الهجمات الإيرانية على قواعد أميركية في الخليج، تحركت بسرعة شبكة واسعة من الباحثين والإعلاميين العرب لإدانة هذه الضربات. والقاسم المشترك بين معظم هذه المواقف كان تجاهل السياق العسكري لتلك القواعد، أي استخدامها في عمليات عسكرية أميركية سابقة في المنطقة، من العراق إلى سوريا، وصولاً إلى الدعم العسكري لإسرائيل في حرب غزة، والعدوان الأميركي ــ الإسرائيلي على إيران. جرى تأطير النقاش في إطار قانوني وإعلامي يقوم على مبدأ «سيادة الدول» التي تستضيف هذه القواعد، متجاهلاً العداء التاريخي بين الغرب ودول العالم الثالث، وما رافقه من استنزاف لقدراتها واستخدام أراضيها في عمليات عسكرية ضد محيطها الحيوي.
سرب إدانة إيران
كانا لافت موقف عزمي بشارة الذي ورد في سياق مجتزأ. فهو كان يحتفظ بمسافة عن الموقف الخليجي العام من قضايا خلافية، مثل تمايزه في الموقف من سلوك النظام السوري الجديد، وتمايز قناة «العربي» التي تتبع لادارته، في تغطية أكثر وضوحا في مواجهة العدوان على ايران ولبنان.
وقد سرت شائعات حول خلافات بين الادارة السياسية للدولة القطرية وبين بشارة الذي سارع الى إدانة الهجوم الإيراني على القواعد الأميركية في المنطقة العربية، مركزاً على أنّ العدوان موجّه ضد دول الخليج. وهو ما اعتبره بعض المتابعين موقفاً يكاد يكون إلزامياً في أوساط المراكز والشخصيات الإعلامية الممولة خليجياً.
وكتب بشارة في تدوينة على حسابه على إكس: «يمكن تبنّي تفسيرات مختلفة لاعتداءات إيران المتواصلة على الدول العربية الجارة، لكن هذا كلّه لا يغني عن الموقف، فالتفسير قد يُفهم كتبرير، والموقف يجب أن يكون إدانة قاطعة وواضحة لهذه الممارسة الإيرانية التي تتعرض لها هذه البلدان بمواطنيها ومقيميها».
كما تساءل عن سبب عدم استهداف القواعد الأميركية في أذربيجان وتركيا. إلا أنّ المفارقة في طرح بشارة تكمن في تركيزه على «سيادة الدول المضيفة» من دون مناقشة دور القواعد نفسها في العمليات العسكرية الأميركية التي تنطلق من أراضي تلك الدول، مكتفياً بتوصيفها بـ«المواقع» الأميركية.
إيران كوريا الشمالية… والخليج كوريا الجنوبية!
أما مدير «الشبكة العربية للأبحاث والنشر» السعودي نواف القديمي. فقد سعى في منشور على حسابه على فايسبوك، إلى مقاربة الصراع عبر تشبيه يضع إيران في موقع أقرب إلى كوريا الشمالية، في مقابل دول الخليج التي شبّهها بكوريا الجنوبية، من حيث التطور والاندماج في النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.
وكتب القديمي: «صحيح أنّ الوضع في دول الخليج ليس بمستوى التطور الصناعي الموجود في كوريا الجنوبية، ولا أنّ الوضع في إيران يبلغ مقدار السوء الموجود في كوريا الشمالية، لكنّ المقاربة نفسها صحيحة بين الطرفين في حجم التفاوت الهائل لما يمكن أن يخسره كل طرف في هذه الحرب. لذلك، من الحكمة عدم الانجرار للمشاركة في هذه الحرب، لمصلحة دول الخليج أولاً ــ فهي ليست معركتهم ــ ولقطع الطريق على السعي الإسرائيلي ــ الإيراني الحثيث إلى دفع دول الخليج إلى خوضها».
ويرى القديمي أنّ إيران دولة منهكة لا تملك الكثير لتخسره، ما يجعلها أكثر استعداداً لتوسيع الحرب، في مقابل دول الخليج التي «تملك ما تخسره»، وتسعى بالتالي إلى تجنبها. غير أنّ هذا الطرح أثار اعتراضات واسعة بين متابعيه، وهو ما ظهر بوضوح في التعليقات، خصوصاً مع محاولة المساواة بين إسرائيل وإيران في الحرب الجارية، وتصوير ما يحدث كأنه مؤامرة يمكن لدول الخليج تفاديها بمجرد الامتناع عن الانخراط فيها.
فرصة لإدانة المقاومة
بالتوازي مع الخطاب الصاعد الذي يركز على إدانة الهجوم الإيراني على القواعد الأميركية في المنطقة العربية، برز خطاب آخر يستثمر الحرب لإدانة المقاومة الإسلامية في فلسطين، وخصوصاً حركة «حماس» فقد جرى تقديم النموذجين الإيراني والإسلامي العربي بوصفهما سبباً في إدخال المنطقة في دوامات من الحروب والمواجهات «غير المجدية».
أعيد توجيه النقاش بعيداً من دور القواعد الأميركية في المنطقة
وكان من أبرز الأمثلة على ذلك مقال لحازم صاغية في صحيفة «الشرق الأوسط»، حاول فيه توجيه النقاش نحو إدانة الحركات الراديكالية، في إشارة إلى «حماس» و«الإخوان المسلمين»، من دون التطرق إلى دورها في مقاومة إسرائيل. بل على العكس، حرص صاغية على الإشارة إيجاباً إلى اتفاقية السلام التي وقّعتها مصر مع إسرائيل في نهاية سبعينيات القرن الماضي، منتقداً احتفاء إيران باغتيال أحد عناصر «الإخوان المسلمين» للرئيس المصري أنور السادات، الذي وقّع اتفاقية التطبيع وزار الأراضي المحتلة من دون تنسيق عربي.
بهذه الطريقة، يحاول بعض من يُصنَّفون ضمن النخب الثقافية تحويل النقاش من العدوان الأميركي ــ الإسرائيلي على بلد جديد في الشرق الأوسط، إلى مراجعة حركات المقاومة نفسها، وتصنيفها والتبرؤ منها.
صنّاع المحتوى يلتحقون بالسردية
في السياق نفسه، برز عدد من صنّاع المحتوى الذين التقطوا الخطاب المتداول في الإعلام الخليجي، وسعوا إلى الانضمام إلى حملة تُحمّل إيران مسؤولية دعم الحركات «الراديكالية» في المنطقة، على رأسها «الإخوان المسلمون». ومن بين أبرز هؤلاء صانع المحتوى نديم قطيش، الذي ظهر في مقاطع مصورة بعد تداول أنباء عن إنهاء عقده مع قناة «سكاي نيوز عربية»، مؤكداً على أنه اختار التفرغ لصناعة المحتوى.
وفي أحد هذه الفيديوهات، تناول الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، مستثمراً اللحظة للدفاع عن السياسة الإماراتية، معتبراً أنها «استشرفت خطر الإخوان المسلمين بدقة»، مضيفاً: «في وقت الأزمات، اختاروا الأيديولوجيا وباعوا بلادهم، وأفتوا بحرمة حماية الأوطان». وذهب إلى حد القول إنّ «الإخوان أخطر من الباليستي والمسيّرات». وجاء كلامه رداً على بيان صادر عن منصة تُدعى «علماء ودعاة الأمة»، نسبها إلى جماعة الإخوان المسلمين، قال إنها «حرّمت الدفاع ضد الهجمات الإيرانية، معتبرة أنّ الحرب الدائرة هي حرب صهيونية أميركية ضد الإسلام».
وفي الاتجاه نفسه، أعادت المذيعة السورية آسيا هشام، التي غادرت قناة «المشهد» بعد إثارة جدل بسبب خطابها الطائفي، نشر فيديوهات تدين العلاقة بين إيران والإخوان المسلمين، معتبرة أنّها تنبّهت باكراً إلى «خطورة هذه العلاقة»، وواصفةً الإخوان بأنهم «ذراع داخل النظام الإيراني»، وأنهم «سبب خراب الربيع العربي».
ما يبدو للوهلة الأولى مواقف فردية متفرقة، يتكشف عند النظر إليها ككل بوصفها منظومة خطابية متكاملة. منظومة تحاول تحويل النقاش من مسألة العدوان الأميركي ــ الإسرائيلي على إيران، إلى إدانة قانونية وأخلاقية لحق دولة في مقاومة هذا العدوان، إما عبر التركيز على الكلفة العالية للمقاومة، أو عبر ربطها بحركات راديكالية لتسهيل تأطيرها إعلامياً. وهكذا يُعاد توجيه النقاش بعيداً من السؤال الأساسي، وهو دور القواعد الأميركية نفسها ووظيفتها العسكرية في المنطقة.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
