صدر حديثاً عن روائع الكتب الدمشقية، كتاب “في أصول الأدب” للأديب المصري أحمد حسن الزيات (1885 – 1968)، في طبعة جديدة محققة ومعتنى بها.
ويعيد هذا الإصدار تقديم أحد أبرز الأعمال المؤسسة في الفكر الأدبي العربي الحديث، الذي جرى نشره للمرة الأولى في أربعينيات القرن العشرين، قبل أن تتوالى طبعاته لاحقاً.
ويُعدّ الزيات من أعلام البيان العربي في القرن العشرين، إذ جمع في مشروعه الأدبي بين جزالة اللغة ودقة التعبير، مستنداً إلى تكوين علمي تقليدي وحديث معاً، فقد تتلمذ في الأزهر على يد الشيخ سيد علي المرصفي، وحضر دروس شرح المعلقات للشيخ محمد محمود الشنقيطي، قبل أن يتابع دراسته في الجامعة الأهلية، ويحصل على ليسانس الحقوق من جامعة باريس عام 1925.
وشغل الزيات موقعاً بارزاً في الحياة الثقافية، حيث عمل أستاذاً في دار المعلمين العليا ببغداد، ثم عاد إلى القاهرة ليؤسس عام 1933 مجلة الرسالة، التي شكّلت منصة مركزية للأدب العربي الحديث على مدى عقدين، كما انتُخب عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة والمجمع العلمي العربي بدمشق، ونال جائزة الدولة التقديرية عام 1962.
كتاب يجمع بين التأصيل والنقد
يمثل “في أصول الأدب”، خلاصة رؤية الزيات للأدب ووظيفته، ويأتي في بنيةٍ تجمع بين المحاضرات النظرية والمقالات النقدية، في صيغة متكاملة تعكس خبرته الفكرية والصحفية.
في قسمه الأول، يعالج الزيات قضايا أساسية تتصل بفلسفة الأدب ونشأته، رابطاً بين تطوره والتاريخ السياسي، ومؤكداً دوره في بناء وحدة الأمة، كما يتناول العوامل المؤثرة في الإبداع، من البيئة والمناخ إلى الحروب والعمران، ويقف عند طبيعة النقد الأدبي عند العرب، مشيراً إلى افتقاره للمنهجية الكلية في قراءة النصوص.
ويتتبع الكتاب تطور الفن القصصي في الثقافة العربية، متخذاً من ألف ليلة وليلة نموذجاً للأدب الشعبي، كما يدافع عن أصالة الفكر العربي، رافضًاً اختزاله في كونه مجرد امتداد للفكر اليوناني.
مقالات في اللغة والنقد والتجديد
أما القسم الثاني، فيضم مجموعة من المقالات التي تعكس انشغالات الزيات بقضايا اللغة والتعليم والنقد الأدبي، فهو يدعو إلى الموازنة بين التراث والحداثة، وينتقد تعقيد النحو في مقال “آفة اللغة”، مستنداً إلى تجربته التعليمية لتفسير عزوف الطلاب عن العربية.
كما يقدم قراءات نقدية في الشعر، من بينها موازنته بين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، مميزاً بين العبقرية بوصفها طاقة إبداعية، والقريحة باعتبارها مهارة فنية، ويتناول كذلك الفنون المسرحية والملاحم، مقارناً بين نماذج عالمية، ومثيراً سؤالاً لافتاً حول حضور الملحمة في الأدب العربي.
جاءت هذه الطبعة في نحو 390 صفحة من القطع الكبير بعناية جيهان الحاج يحيى، حيث اعتمدت على مقابلة النص بالطبعة الثانية المنقحة (1946)، مع ضبط الآيات وتخريج الأحاديث وتوثيق الأشعار، كما تضمنت شروحاً للأعلام والمصطلحات، وتمييز هوامش المؤلف، إلى جانب إعداد فهارس شاملة تسهّل على القارئ تتبع الموضوعات.
تكمن أهمية هذا الإصدار في كونه يعيد إحياء نص أدبي وفكري محوري يجمع بين التأصيل النظري والممارسة التطبيقية، ويقدّم نموذجاً للكتابة العربية التي توازن بين البلاغة والوضوح.
وبهذا، يظل “في أصول الأدب” عملاً مفتوحاً على القراءة المتجددة، يضيء مسار الأدب العربي، ويؤكد حضوره بوصفه أداة للمعرفة وبناء الذائقة.
أخبار سوريا الوطن١-سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن
