بتول الحكيم
انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً عشرات الصور والمقاطع التي توثّق تعرّض المعتقلين للتعذيب والانتهاكات في سجن صيدنايا والمستشفيات العسكرية قبل سقوط النظام المخلوع، وأُعيد تداولها بالتزامن مع إلقاء القبض على سفاح التضامن “أمجد يوسف”، وعودة ضحايا حفرة التضامن وذويهم إلى الواجهة. وبينما رأى البعض في ذلك إحياءً للذاكرة الجمعية، اعتبره آخرون استباحة لحرمة الضحايا وكرامتهم، واستفزازاً لمشاعر الفاقدين، وشكلاً من أشكال إعادة إنتاج الألم بالنسبة للناجين.
فما ضوابط نشر الصور والمقاطع حقوقياً؟ وكيف تنظر هيئة العدالة الانتقالية إلى هذه السلوكيات؟ وما انعكاسها النفسي على الناجين وذوي الضحايا والمجتمع؟
نشر الصور يعيد إنتاج الألم
قالت والدة أحد الضحايا، وهي مؤسسة ورئيسة رابطة عائلات قيصر “مريم الحلاق”، في حديثها لصحيفة “الثورة السورية”: “إن إعادة نشر مقاطع وصور التعذيب على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً تشبه العبث بجراح المكلومين بأداة حادة؛ فالجراح لا تزال نازفة ولم تلتئم بعد. لم ننسَ، لتُذكّرنا تلك الصور بوحشية مرتكبي الانتهاكات، وتعيد إلينا الآلام والنيران التي نحاول إخمادها في أحشائنا بكل ما استطعنا من قوة، لنستمر في عيش حياة فرضت علينا الفقد والحرمان”.
ونقلت “الحلاق” بعضاً من صرخات أمهات وأخوات الشهداء بعد رؤيتهنّ الفيديوهات التي أُعيد نشرها مؤخراً، حيث يتساءلن: “ما الذي قد يحلّ بأبناء الضحايا إذا شاهدوا آباءهم في هذه المقاطع؟ وكيف سيتجاوزون هذا الألم؟”. فيما ترتعد أخرى خوفاً من أن تجد صورة أخيها بين المعذّبين، وأخرى لم تعد تحتمل مشاهدة هذه المقاطع، فهي “ناجية” لا تفارق أصوات التعذيب مخيّلتها حتى اليوم.
واستهجنت “الحلاق”، كأم فاقدة تجهل مكان دفن جثمان ولدها الشاب، مشاهد الرفات في الحفر، ورؤية أشخاص يحملون عظاماً انتُشلت من مقابر، ووصفت هذه السلوكيات بأنها منافية للإنسانية، متسائلة عن كرامة الموتى واحترام التضحيات التي بذلها الضحايا، ومطالبة بقبور تليق بإنسانيتهم ونُصُب تذكارية تُخلّد ذكراهم.
ولفتت إلى أن توثيق الانتهاكات علم يخضع لأصول ومعايير محددة، لا تتوافق مع النشر العشوائي على مواقع التواصل، مؤكدة أن مكان هذه الشهادات والمقاطع هو المؤسسات والمنظمات الحقوقية المعنية بإظهار الحقيقة ومحاسبة الجناة.
مواقع الانتهاكات مسارح جريمة
من جهته، أكد الحقوقي المختص بالقانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان “المعتصم الكيلاني” لـ”الثورة السورية”، أن السجون ومراكز الاحتجاز التي ارتُكبت فيها انتهاكات جسيمة في سوريا، إضافة إلى المقابر الجماعية وأي مواقع مرتبطة بمنظومة الانتهاكات، تُعدّ مسارح جرائم دولية مستمرة الأثر وفق القانون الدولي. وبذلك، تدخل المستشفيات العسكرية التابعة للنظام المخلوع ضمن هذه المواقع، بوصفها أماكن شهدت ممارسات التعذيب والقتل الممنهج خارج نطاق القانون.
وأوضح “الكيلاني” أن نشر المقاطع المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، ولا سيما مشاهد التعذيب، إضافة إلى استباحة المواقع التي شهدت تلك الانتهاكات كحفرة التضامن وما حولها والمقابر الجماعية، وتصوير بقايا العظام والرفات، يتعارض مع الحق في الكرامة الإنسانية، ويشكّل انتهاكاً صارخاً لذاكرة الضحايا، كما يساهم في تشويه الذاكرة الجمعية وتحويل الألم إلى مادة استهلاكية.
نشر المقاطع والصور يقوّض مسار العدالة
في السياق ذاته، أكد رئيس إدارة المحاسبة والمساءلة وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية “رديف مصطفى”، في حديثه لـ”الثورة السورية”، أن الهيئة تنظر إلى هذه الممارسات ببالغ الحساسية، لأن كرامة الضحايا وذويهم جزء أساسي من أي مسار عدالة حقيقي. وأشار إلى أن كشف الحقيقة لا يعني تحويل معاناة الضحايا إلى مادة متداولة أو صادمة خارج الأطر الإنسانية والقانونية، خصوصاً فيما يتعلق بصور الضحايا أو الرفات البشرية أو المشاهد المرتبطة بمواقع الانتهاكات.
وبيّن “مصطفى” أن هناك فرقاً واضحاً بين التوثيق لأغراض العدالة والمساءلة، وبين النشر العشوائي الذي قد يؤدي إلى إعادة إيذاء الضحايا والناجين وذويهم نفسياً ومعنوياً. وأضاف أن هناك نقاشات جدية حول ضرورة وضع ضوابط قانونية وأخلاقية للتعامل مع مواد التوثيق المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة، بما يحفظ كرامة الضحايا ويمنع الإساءة أو الاستغلال أو النشر غير المسؤول، مؤكداً أن هذا الملف يُعد جزءاً من حماية حقوق الضحايا في ظل حساسية المرحلة.
وحول انعكاس هذه السلوكيات على مسار العدالة، أشار “مصطفى” إلى أنها قد تؤثر سلباً في العدالة الانتقالية على عدة مستويات، إذ قد تضعف ثقة الضحايا وذويهم، وتخلق شعوراً بإعادة الانتهاك أو الاستغلال، كما قد تؤثر في سلامة بعض الأدلة أو المسارات القانونية المرتبطة بالتحقيقات. وأكد أن العدالة الانتقالية لا تقوم على كشف الجرائم فحسب، إنما تستند أيضاً إلى احترام الضحايا وحماية كرامتهم وحقوقهم، ما يجعل أي تعامل غير مسؤول مع هذه الملفات ينعكس سلباً على الثقة المجتمعية بمسار العدالة.
الأثر النفسي على الناجين وذوي الضحايا والمجتمع
أما عن الانعكاس النفسي لانتشار هذه المقاطع، فأوضحت المختصة والمعالجة النفسية “رشا علوان” لـ”الثورة السورية”، أن الناجين والناجيات من الاعتقال أو التعذيب أو الفقد القسري، وذويهم، يتفاعلون مع هذه المواد بأجسادهم وذاكرتهم، إذ تمثّل مشاهد الجثث والتعذيب محفزات مباشرة للصدمة النفسية، وتعيد تنشيط الذاكرة الصادمة بما تحمله من خوف وألم وعجز، فالدماغ يخزّن الصدمة بوصفها خبرة تهديد مستمرة.
ووفقاً لـ”علوان”، يفسّر ذلك ظهور طيف واسع من الأعراض النفسية لدى المتلقين، مثل نوبات الهلع وتسارع ضربات القلب، والتعرّق والارتجاف، والكوابيس واضطرابات النوم الحادة، وفقدان التركيز، والانهيار النفسي ونوبات البكاء، والرغبة في العزلة وفقدان الشعور بالأمان، إضافة إلى الحزن والاكتئاب.
كما تظهر أعراض جسدية مرافقة، كآلام المعدة والقولون، والصداع المزمن، وخفقان القلب، وضيق التنفس والشعور بالاختناق، نتيجة الاسترجاع القهري للمشاهد الصادمة. وقد تتطور الحالة في بعض الأحيان إلى نوبات التفكك النفسي والانفصال عن الواقع، أو اللجوء إلى الإدمان، وصولاً إلى أفكار انتحارية.
وأضافت أن بعض الناجين قد يعانون ما يُعرف بـ”عقدة الناجي”، حيث يتجدّد هذا الشعور عند مشاهدة المقاطع، ويتحوّل إلى جلد للذات أو إحساس بعدم استحقاق النجاة أو الحياة. في المقابل، ينخرط آخرون في متابعة قهرية لهذا المحتوى رغم الألم، في محاولة لا واعية من الدماغ لتفسير ما حدث أو السيطرة عليه، ما يؤدي إلى تفاقم الاستنزاف النفسي.
وفيما يتعلق بذوي الضحايا، ولا سيما عائلات المعتقلين والمفقودين، أوضحت “علوان” أنهم يتلقّون هذه الصور والمقاطع بوصفها احتمالاً شخصياً مرتبطاً بمصير أحبّائهم، إذ تحمل كل صورة احتمال التعرف على ابن أو أخ أو زوج أو صديق، ما يضع العائلة في حالة استنفار نفسي دائم. وأشارت إلى أن كثيراً من العائلات السورية تعيش منذ سنوات حالة تُعرف نفسياً بـ”الفقدان الغامض”، أي غياب اليقين حول مصير الشخص، وهو من أكثر أشكال الفقد إنهاكاً، لأن الحداد الطبيعي يحتاج إلى وضوح ونهاية، بينما يبقي الغموض الألم مفتوحاً ومستمرّاً.
ومع إعادة نشر هذه المقاطع، تعود مشاعر الصدمة وتتجدّد حالة الانتظار والبحث القاسي، ما يولّد لدى الأهل شعوراً بالعجز والذنب، قد ينعكس في خلافات وانهيارات داخل الأسرة. كما يعيش بعضهم صراعاً داخلياً بين الرغبة في معرفة الحقيقة والخوف منها، وهو تناقض شديد القسوة نفسياً.
وحول تأثير هذه المقاطع على المجتمع، ترى “علوان” أن المجتمعات الخارجة من الحروب والانتهاكات لا تتأثر بالأحداث فحسب، بل أيضاً بطريقة تداولها واستمرار حضورها. فمحاصرة المجتمع بصور الموت والتعذيب والأشلاء والعظام البشرية تضعه في مواجهة صدمة جمعية، تنعكس في ارتفاع مستويات القلق والخوف العام، وفقدان الإحساس بالأمان، وانتشار مشاعر اليأس، وازدياد التوتر والعصبية في العلاقات الاجتماعية، إلى جانب تراجع القدرة على التعاطف نتيجة الإنهاك النفسي.
وحذّرت من مخاطر التطبيع مع العنف نتيجة التعرض المستمر للمشاهد القاسية، إذ يفقد الأفراد تدريجياً حساسيتهم تجاهها، ويصبح التبلّد آلية دفاع نفسي لحماية الذات من الانهيار. كما تسهم وسائل التواصل في خلق حالة من “الاستغراق الصدمي”، حيث يقضي الفرد ساعات في متابعة الصور والفيديوهات المؤلمة دون انقطاع، ما يزيد من الإنهاك النفسي ويؤثر سلباً على المزاج والنوم والإحساس بالحياة.
وشدّدت “علوان” على ضرورة مراعاة جملة من الضوابط عند عرض هذه المواد، حتى في سياق التوثيق وتحقيق العدالة ومنع الإنكار، من بينها وضع تحذيرات واضحة قبل عرض المحتوى الصادم، وتجنّب نشر المشاهد الدموية بشكل مباشر، وعدم تكرارها بشكل مفرط. كما أكدت أهمية احترام كرامة الضحايا، وعدم تحويل أجسادهم إلى مواد استهلاكية، وطمس الوجوه في المشاهد المهينة، والاستعاضة بالوصف الصحفي حين يكون ذلك ممكناً، إضافة إلى مراعاة توقيت النشر وأثره على الناجين وذويهم، وإتاحة مساحة للتحليل النفسي والإنساني بدلاً من الاكتفاء بالصدمة البصرية.
ونصحت بعدم إجبار النفس على متابعة هذه المواد، وأخذ فترات راحة من التعرض للمحتوى المؤذي نفسياً، والانتباه للأعراض الجسدية المصاحبة، وتجنّب مشاهدة المشاهد الصادمة قبل النوم، ومشاركة المشاعر مع أشخاص موثوقين بدلاً من كبتها، مع الحفاظ على روتين الحياة اليومية قدر الإمكان، وحماية الأطفال من التعرض المباشر لهذه المحتويات، وعدم التردد في طلب الدعم النفسي عند الحاجة. وأكدت أن ردود الفعل القوية تجاه مشاهد العنف والفقد هي استجابة إنسانية طبيعية، مشيرة إلى أن حماية النفس تبقى ضرورة للاستمرار والقدرة على تقديم الدعم للآخرين.
وختمت “علوان” بالتأكيد على المسؤولية الأخلاقية الملقاة على عاتق وسائل الإعلام، بوصفها ناقلاً للمعلومات ومؤثراً مباشراً في الصحة النفسية للمجتمعات، ولا سيما الخارجة من الحروب والصدمات، مشددة على ضرورة احترام كرامة الضحايا وعدم انتهاك خصوصيتهم، وتجنّب تحويل الألم إلى مادة جاذبة للمشاهدات، والابتعاد عن العناوين الصادمة والاستغلال العاطفي، وتقديم الاعتبارات النفسية على حساب التفاعل، والالتزام بالتحذير المسبق من المحتوى المؤذي، وتفادي النشر العشوائي للمشاهد العنيفة.
ولا يمكن الوقوف في موقع المتفرّج إزاء هذه المشاهد التي تشكّل جزءاً من الذاكرة الجمعية للسوريين، كما لا يمكن التعامل مع الضحايا بوصفهم أرقاماً. ويبقى التعويل على دعم مسار العدالة الانتقالية من خلال التعامل المسؤول والواعي مع الصور والمقاطع، لتكون أدوات توثيق وأدلة تسهم في كشف المجرمين وتحقيق العدالة، مع صون كرامة الضحايا وذويهم.
في المحصلة، لا يمكن التعامل مع الصور والمقاطع المرتبطة بالانتهاكات كمواد إعلامية عادية، قابلة للتداول والاستهلاك السريع، فهي شواهد حساسة على جرائم جسيمة تمسّ كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، كذلك فإن الفارق الجوهري بين التوثيق المهني والنشر العشوائي لا يكمن فقط في الهدف، إنما في الأثر أيضاً، حيث يتحول المحتوى من دليل إدانة يخدم العدالة، إلى أداة أذى تعيد إنتاج الألم وتوسّع دائرة الضحايا، ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة ضبط المعايير الإعلامية والحقوقية في التعامل مع هذا النوع من المواد.
كما أن حماية كرامة الضحايا لا تقل أهمية عن كشف الحقيقة، فهي تشكّل ركناً أساسياً في أي مسار عدالة حقيقي، فالتعامل غير المسؤول مع صور التعذيب والقتل لا يسيء فقط إلى الضحايا وذويهم، حيث يهدد أيضاً مصداقية الجهود الحقوقية، ويقوّض الثقة المجتمعية بمسارات المحاسبة، وعليه، فإن احترام الخصوصية الإنسانية، وتجنّب الاستغلال العاطفي، والالتزام بالمعايير الأخلاقية هي شروط جوهرية لضمان أن تبقى العدالة هدفاً لا وسيلة للانتشار أو جمع التفاعل.
في السياق ذاته، يفرض البعد النفسي نفسه كعامل حاسم في تقييم جدوى النشر من عدمه، إذ لا يمكن إغفال التأثير العميق لهذه المواد على الناجين وذوي الضحايا، ولا على المجتمع ككل، فإعادة عرض مشاهد العنف دون ضوابط، لا تسهم في التوعية بقدر ما تعمّق الصدمة الجمعية، وتغذّي مشاعر الخوف واليأس، وقد تفضي مع الوقت إلى التبلّد أو الانفصال العاطفي، لذلك، يصبح من الضروري إدماج الاعتبارات النفسية ضمن سياسات النشر، بما يوازن بين حق المعرفة وحق الحماية من الأذى.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
