على رفٍّ واحد، قد يوجد دواءان يؤديان الغاية نفسها، لكن بسعرين مختلفين، ما قد يربك المريض أحياناً عند الاختيار، خاصة في بعض الحالات التي يُلاحظ فيها اختلاف في الأسعار بين المنتجات المحلية ونظيراتها المستوردة، وهي حالات ترتبط غالباً بعوامل تتعلق بطبيعة المنتج أو حجم العبوة أو مصدره.
وفي محاولة لفهم هذه الصورة من أرض الواقع، تنقل “الثورة السورية” ما يرصده الصيادلة في تعاملهم اليومي مع المرضى وحركة السوق، من داخل الصيدليات، حيث يوضح الصيدلاني عمر عاتكة، في جديدة عرطوز، أن الأدوية المحلية مبدئياً كلها أرخص من المستوردة إلا في بعض الحالات، لافتاً إلى أن الأدوية الرئيسة، مثل: أدوية الضغط والسكر والأدوية المزمنة، هي أرخص بكثير من الأدوية المستوردة.
ويشير إلى وجود أمثلة عديدة تؤكد ذلك، إذ إن بعض أدوية ارتفاع حمض البول المحلية يصل سعرها في سوريا إلى نحو 10 آلاف ليرة سورية لثلاثين حبة، في حين إن مثيلاتها في دول الجوار قد تصل إلى 150 ألف ليرة تقريباً، ما يعكس فارقاً واضحاً في السعر، وفي المقابل، يوضح أن المنتجات التي قد تبدو أقل سعراً من المحلي تتركز غالباً في المتممات الغذائية، حيث إن تنوعها خارجياً يجعلها أقل تكلفة، خاصة المنتجات التركية، بينما تبقى الأدوية الموجودة في لبنان أو الأردن أو الأجنبية أعلى سعراً.
وتُفسَّر هذه الحالات غالباً باختلاف طبيعة المنتجات أو مصدرها، بما في ذلك المنتجات غير النظامية أو اختلاف أحجام العبوات.
وأضاف عاتكة أن عدة عوامل تلعب دوراً في ذلك، منها اليد العاملة والتخطيط للإنتاج، مبيناً أن بعض المنتجات مثل الفيتامينات تُستخدم لفترات طويلة، وكان من الممكن إنتاجها بعبوات أكبر، كما في مثال “الأوميغا” التي تُطرح في سوريا بعلب تحتوي 30 حبة بسعر خمسين ألف ليرة، في حين تأتي مستوردة بعلب تضم 100 حبة بسعر مئة وخمسين ألف ليرة، ما يجعلها أوفر عند الإنتاج بكميات أكبر ضمن عبوة واحدة، إضافة إلى وجود كريمات ومراهم علاجية وتجميلية لحب الشباب والتقشير وما بعد عمليات الليزر، حيث إن أغلبها المستورد يكون أقل تكلفة في بعض الحالات المرتبطة بطبيعة العبوة أو مصدر المنتج.
ويلفت إلى أنه في ظل متابعة الجهات المعنية، فإن وزارة الصحة تدرس هذا الموضوع، وتجري مقارنات مع دول الجوار، وكذلك بين معامل الشمال السوري ومعامل الجنوب، بهدف العمل على إيجاد حلول مناسبة.
وفي ما يتعلق بأسباب اختلاف السعر، يوضح أن موضوع التراخيص والتخطيط بعيد المدى، إلى جانب تكاليف الكهرباء والطاقة، كلها عوامل تسهم في تحديد السعر، مبيناً أنه في حال إدارة المعامل بشكل مختلف، كإنتاج الأدوية المزمنة بكميات كبيرة ضمن عبوات أكبر، يمكن تخفيض التكلفة، بحيث تُقسم لاحقاً في الصيدليات بطريقة علمية، ما يوفر حتى تكاليف تصنيع العبوات الصغيرة والمواد المستخدمة في حفظ الأدوية.
كما أشار إلى أن سعر الصرف وتكاليف النقل والاستيراد تلعب دوراً في هذا السياق، مؤكداً أن الدواء المحلي متوفر بشكل أكبر من المستورد، إذ تصل نسبة توفره إلى نحو 90 بالمئة، بينما يبقى المستورد محدوداً بحسب الطلب والتوفر في الصيدليات.
المريض بين الوصفة والتكلفة
وعن سلوك المرضى، أوضح أن الاختيار غالباً يعتمد على وصفة الطبيب أكثر من السعر، باستثناء بعض الحالات المرتبطة بالوضع المادي أو مستوى الوعي، حيث يلجأ بعض المرضى إلى بدائل يرشحها الصيدلي عند عدم توفر الدواء المطلوب، مضيفاً أن المرضى يتعاملون مع فروقات الأسعار بطرق متفاوتة بين التفهم والضغط.
وفي تقديره، فإن هذه الفروقات قد تكون مؤقتة وقابلة للمعالجة، مشيراً إلى أن من بين الحلول الممكنة فتح السوق بشكل تنافسي بين الشركات مع وجود رقابة وإشراف من وزارة الصحة، إلى جانب تعزيز نظام التأمين الصحي ونشر الوعي الصحي بين المواطنين، بما يضمن تغطية عادلة لاحتياجات المرضى ويسهم في ضبط الأسعار.
وبين هذه المعطيات، تظهر انعكاسات مباشرة داخل الصيدليات، حيث يوضح محمود بركات، أنه واجه في أكثر من مرة فرقاً واضحاً بين بعض الأدوية المحلية ونظيراتها المستوردة، لافتاً إلى أنه يضطر أحياناً لاختيار البديل الأرخص حتى لو لم يكن الخيار الأول، خاصة في الأدوية غير المزمنة.
وفي تجربة مشابهة، تشير رنا الوادي، ربة منزل، إلى أنها لاحظت أن بعض المستحضرات المستوردة، خاصة الفيتامينات والمتممات الغذائية، تكون أقل سعراً من المحلية، ما يدفعها إلى طلبها بشكل مباشر عند توفرها، مؤكدة أن الفارق السعري يلعب دوراً أساسياً في قرار الشراء في هذه الحالات فقط، عدا ذلك فهي تلتزم بوصفة الطبيب.
بين التكلفة والجودة
وفي قراءة علمية للواقع الدوائي، توضح الدكتورة في كلية الصيدلة في جامعة دمشق، هالة شاهين، أن الدواء المحلي لا يمكن أن يكون أغلى من المستورد لأن عملية التسعير تأخذ بعين الاعتبار ألا يكون هناك منافس بالسعر للدواء المحلي وذلك تشجيعاً للصناعة المحلية، إنما يمكن أن يكون الدواء المحلي أغلى من الدواء الأجنبي غير النظامي (تهريب).
وفي تفسيرها للعوامل المؤثرة في تكلفة إنتاج الدواء المحلي، تشير إلى أن المواد الأولية مستوردة يُدفع ثمنها بالقطع الأجنبي، وبالتالي فإن سعر الصرف وتقلباته تؤثر بشدة عليها، إلى جانب ارتفاع تكاليف مصادر الطاقة من الكهرباء والوقود، وارتفاع أجور العمال والضرائب التي تُدفع كتأمينات، فضلاً عن أن عمليات التعبئة والتسويق أصبحت أيضاً مكلفة، مؤكدة أن كل هذه العوامل تؤثر في سعر الدواء المحلي سلباً أو إيجاباً.
كما لفتت إلى أن المواد الأولية مستوردة ولا يوجد مواد أولية محلية إلا ما ندر، وبالتالي فإنها تتأثر بتقلبات سعر الصرف بشكل مباشر، وهو ما ينعكس على تكلفة الإنتاج.
وفي ما يتعلق بالجودة، أكدت أن الدواء المحلي ممتاز ومنافس، وأن العديد من الشركات حاصلة على الإيزو، كما أنه يخضع لرقابة شديدة من وزارة الصحة، ما يعزز الثقة به في السوق المحلية، مضيفة أن ارتفاع السعر داخلياً مبرر اقتصادياً، إلا أنه عند مقارنة الدواء المحلي بنظيره في البلدان الأخرى، يتبين أنه لا يزال منخفض السعر مقارنة بالأدوية في تلك الدول.
وختمت بالإشارة إلى أن دعم الصناعة المحلية يمكن أن يتحقق من خلال الإعفاء من الضرائب، والتخفيف من سعر الكهرباء للمعامل، وزيادة الرواتب، بما يسهم في رفع القدرة الشرائية للمواطن.
وفي المحصلة، تبقى هذه التباينات السعرية ضمن حدود مرتبطة بعوامل إنتاجية وتسويقية، في وقت يستمر فيه العمل على معالجتها، بما يضمن استقرار السوق الدوائية وتوفير الدواء بجودة مناسبة وأسعار مدروسة تلبي احتياجات المواطنين.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
