بقلم: القاضي حسين حمادة
من السمات التي عُرفت بها المجتمعات الشرقية، ومنها المجتمع السوري، أنها مجتمعات مترابطة يعرف أفرادها بعضهم بعضًا إلى حدٍّ كبير.
فالسيرة الشخصية للإنسان لم تكن أمرًا خافيًا في تلك المجتمعات، بل كانت موضع معرفة وتقييم اجتماعي مستمر. ولذلك كان المنحرفون واللصوص والمحتالون والقتلة وأصحاب السوابق يعيشون حالة من النبذ الاجتماعي، ويجدون صعوبة في الاندماج أو اكتساب الاحترام داخل محيطهم.
ولعل هذه الظاهرة كانت تمثل أحد أهم أشكال الضبط الاجتماعي، أو ما يمكن تسميته بـ”الردع الاجتماعي”فكثير من الناس كانوا يخشون نظرة المجتمع إليهم أكثر مما يخشون العقوبة القانونية نفسها. وكان فقدان السمعة الحسنة يُعد عقوبة قاسية قد تستمر سنوات طويلة، لذلك لعب المجتمع دورًا مهمًا في حماية منظومته الأخلاقية والحفاظ على الحد الأدنى من القيم المشتركة.
غير أن هذه الظاهرة بدأت تتراجع بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. فبدلًا من أن يكون المجتمع رقيبًا أخلاقيًا على السلوك المنحرف، أصبح الصمت هو السمة الغالبة. فكثير من الناس باتوا يمتنعون عن إظهار موقفهم من مرتكبي الجرائم وأصحاب السلوكيات المشينة، إما خوفًا من النفوذ الذي يتمتع به بعضهم، أو خشية التعرض للأذى، أو انتظارًا لمنفعة محتملة قد تتحقق من خلال التقرب منهم أو مجاملتهم.
إلا أن الخطر الأكبر يظهر عندما ينتقل المجتمع من مرحلة السكوت إلى مرحلة التمجيد والتبجيل لهؤلاء المنحرفين، فيبدأ بعض الناس بتقديم المجرمين والفاسدين والمحتالين بوصفهم نماذج ناجحة أو شخصيات مؤثرة تستحق الاحترام. وهنا لا يقتصر الخلل على سلوك الأفراد، بل يصيب المنظومة القيمية للمجتمع نفسه، ليصبح المجتمع أمام مرحلة خطيرة من التآكل الأخلاقي.
الخلاصة
إن القيم التي تحفظ تماسك المجتمعات هي تلك التي تقوم على احترام الفضيلة ونبذ الرذيلة. وعندما تنقلب هذه المعادلة، فيصبح المجرم محل إعجاب، والفاسد موضع تكريم، والمحتال نموذجًا للنجاح، فإن المجتمع يكون قد بدأ يفقد أحد أهم مقومات بقائه واستقراره.
وعندها لا يكمن الخطر في وجود المجرمين أنفسهم فحسب، بل في تحوّل البيئة الاجتماعية إلى حاضنة لهم ومبررة لأفعالهم، وهي مرحلة قد تكون أخطر من الجريمة ذاتها؛ لأنها تمس الوعي الجمعي وتعيد تشكيل معايير الصواب والخطأ على نحو يهدد بنية المجتمع وقيمه الأساسية
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

