بقلم: المهندس محمود محمد صقر
تمر الأيام على الناس هادئةً في ظاهرها…
يومٌ يشبه يومًا، وخبرٌ يشبه خبرًا، وقرارٌ يبدو عابرًا، وكلمةٌ تُقال ثم تُنسى، وفرصةٌ تضيع دون أن يلتفت إليها أحد.
لكن التاريخ لا ينظر إلى الأيام كما ننظر إليها نحن.
فهو لا يرى الضجيج الذي يملأ اللحظة، ولا يسمع الهتافات التي تشغل الناس، ولا ينشغل كثيرًا بمن انتصر اليوم ومن خسر.
بل يجمع بصمتٍ ما تنثره السنوات من قرارات وأفكار وأحداث، ثم يعيد صياغتها بعد زمنٍ طويل في صورة مصير.
ولهذا يظن الناس غالبًا أن التاريخ تصنعه الحروب الكبرى، أو الثورات، أو الزعماء، أو الاتفاقيات التي تتصدر العناوين.
لكن هل الأمر كذلك حقًا؟
هل تصنع التاريخ تلك اللحظات الصاخبة وحدها؟
أم تصنعه آلاف الأيام العادية التي تمر دون أن يلاحظها أحد؟
هل تتغير مصائر الأمم في ليلة واحدة؟
أم أن ما نراه اليوم ليس إلا حصيلة تراكمات طويلة بدأت بقرارات صغيرة، وأفكار بدت هامشية، ومواقف ظن أصحابها أنها عابرة؟
ثم يأتي المؤرخ بعد سنوات طويلة، فيجمع تلك الأيام المتناثرة، ويمنحها اسمًا واحدًا:
التاريخ.
لعلّ التاريخ، في جوهره، ليس سوى حكاية الأيام حين تتحول إلى مصير.
حين نعيش الأحداث، نعتقد أننا نراها كاملة.
نستمع إلى الخطب، ونتابع الأخبار، وننشغل بالتصريحات، ونظن أننا نعرف كل شيء.
لكن الزمن وحده يمتلك رفاهية النظر من الأعلى..فالإنسان يرى اللحظة، أما الزمن فيرى المسار.
ولهذا تختلف قراءة أبناء اللحظة عن قراءة أبناء المستقبل..فأبناء اللحظة يرون الحدث، أما أبناء المستقبل فيرون النتيجة.
وبين الحدث والنتيجة تمضي سنوات طويلة، وتعيش أجيال كاملة، وتتغير خرائط، وتنهض دول، وتتعثر أخرى، دون أن يدرك كثيرون أنهم يسيرون داخل صفحة من صفحات التاريخ قبل أن تُكتب.
كم من معركةٍ ظنها الناس نهاية العالم، ثم اكتشف الأبناء أنها لم تكن سوى فصلٍ صغير في قصة أكبر.
وكم من خصومةٍ ملأت الشاشات ضجيجًا، ثم مرت السنوات فوقها كأنها لم تكن.
وحدها النتائج بقيت.
أما الشعارات، فكثيرًا ما حملتها الريح إلى أرشيف النسيان.
ذلك لأن الدول لا تتحرك دائمًا بالعواطف التي تحرك الأفراد..فالأفراد قد يبنون مواقفهم على الحب أو الكراهية أو الذاكرة أو الانفعال.
أما الدول فتتحرك غالبًا وفق المصالح، وحسابات القوة، وموازين الأمن، وما تراه ضروريًا لاستمرار نفوذها أو حماية مصالحها.
ولهذا تبدو بعض أحداث العالم شديدة الغموض لمن يعيشها.
فما يظهر على السطح ليس دائمًا كل المشهد..وما يُقال في العلن ليس دائمًا كل ما يجري في الواقع.
ولعل أكثر ما يربك الشعوب أنها تنظر إلى الأحداث بعين الحاضر، بينما تُدار كثير من السياسات بعين المستقبل.
ولهذا قد تتصارع الدول في ملف، ثم تتقاطع مصالحها في ملف آخر..وقد ترتفع الأصوات في العلن، بينما تستمر الحسابات الهادئة في الخلفية.
وقد ينشغل الناس بالشعارات، في حين تكون النتائج الحقيقية قد بدأت تتشكل بعيدًا عن الأضواء.
ولعل الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه منطقتنا خلال عقود طويلة أنها انشغلت بالسؤال:
من انتصر؟
ومن خسر؟
بينما كان السؤال الأعمق:
إلى أين يقودنا كل ذلك؟
فالتاريخ لا يتذكر الضجيج طويلًا، لكنه يتذكر النتائج.
ولا يحاسب الشعارات، بل يحاسب ما تركته من أثر في حياة البشر.
وبعد سنوات طويلة، قد يكتشف الناس أن ما غيّر مصيرهم لم يكن خطابًا صاخبًا، ولا حدثًا منفردًا، ولا اتفاقًا واحدًا، بل سلسلة طويلة من الأيام العادية…
أيام مرت على الجميع كأنها لا تعني شيئًا، ثم اكتشف الجميع لاحقًا أنها كانت تصنع المستقبل.
وربما لهذا السبب لا تكفي قراءة الأحداث وحدها لفهم التاريخ.
فكثيرًا ما يختبئ مستقبل الأمم داخل سطور قليلة، أو داخل بند يبدو عاديًا يوم توقيعه، ثم تكتشف الأجيال بعد سنوات أنه كان أكثر البنود تأثيرًا.
فالتاريخ لا يمر دائمًا من الأبواب الكبيرة…
أحيانًا يتسلل من بين السطور.
ولهذا سنحاول في المحطات القادمة أن نقرأ بعض الوثائق والاتفاقيات والنصوص قراءة مختلفة.
لا بحثًا عن الجدل، ولا بحثًا عن المنتصر والمهزوم، بل بحثًا عن التحولات التي قد تصنعها البنود الصغيرة في مستقبل الشعوب.
لنبدأ رحلة جديدة بعنوان:
قراءة هادئة بين السطور
كيف تصنع البنود الصغيرة تحولاتٍ كبرى؟
أما هذه الحلقة، فتعود إلى بدايتها، إلى تلك الحقيقة البسيطة التي كثيرًا ما ننساها:
**لعلّ التاريخ، في جوهره، ليس سوى حكاية الايام حين تتحول إلى مصير.**
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
