آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » قراءة هادئة بين السطور (1).. بين العاصفة والبوصلة.. كيف تصنع الأمم مصالحها في زمن التحولات؟

قراءة هادئة بين السطور (1).. بين العاصفة والبوصلة.. كيف تصنع الأمم مصالحها في زمن التحولات؟

 

بقلم: المهندس محمود محمد صقر

ليست المشكلة الكبرى التي تواجه الأمم هي العواصف التي تضربها من الخارج، بل قدرتها على الاحتفاظ ببوصلة الاتجاه وهي تعبر وسط تلك العواصف.

فالتحولات الكبرى لا تستأذن أحدًا.

ولا تنتظر الدول الضعيفة حتى تستعيد قوتها.

ولا تؤجل القوى الكبرى مشاريعها حتى يكتمل استعداد الآخرين.

إنها تتحرك وفق مصالحها وحساباتها ورؤيتها للمستقبل، بينما تجد شعوب ودول كثيرة نفسها أمام مشهد يتغير بسرعة أكبر مما اعتادت عليه.

ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي:

ماذا تفعل الأمم عندما تتحرك القوى الكبرى؟

هل تكتفي بمراقبة المشهد؟

هل تنشغل بتفسير النوايا؟

هل تبحث عن المذنبين؟

أم تحاول فهم اتجاه الريح واكتشاف المساحات التي ما زالت قادرة على الحركة داخلها؟

نحن لا نحاكم النوايا، ولا نفتش عن المؤامرات، بل نراقب حركة المصالح، لأن المصالح تترك آثارها على الأرض، بينما تبقى النوايا حبيسة الصدور.

ولهذا فإن قراءة الأحداث الكبرى لا تهدف إلى معرفة من ربح جولة سياسية أو خسر أخرى، بل إلى فهم المسارات التي تتشكل خلف العناوين الكبيرة.

ففي السياسة الدولية لا تكون البنود دائمًا مجرد كلمات مكتوبة على الورق.

وأحيانًا لا تكون المدة الزمنية مجرد تفصيل إداري داخل اتفاق أو تفاهم.

فحين تختار الدول ثلاثين يومًا أو ستين يومًا أو فترة قابلة للتمديد، فإنها لا تكون قد حسمت كل شيء بالضرورة، بل قد تكون فتحت نافذة لمراقبة العالم وهو يتفاعل مع التغيير.

كيف ستتصرف القوى المتأثرة؟

كيف ستتحرك الأسواق؟

كيف ستعيد الدول حساباتها؟

ومن سيكتشف أن مصالحه أصبحت في مكان آخر؟

فالسياسة، كما الهندسة أحيانًا، لا تختبر قوة الجسر قبل بنائه فقط، بل تراقب أداءه بعد أن تعبره أولى القوافل.

ومن هنا تبدو بعض الفترات المؤقتة وكأنها استراحة قصيرة، بينما قد تكون في الحقيقة مرحلة مراقبة هادئة لتحول أكبر لم تتضح ملامحه بعد.

والتاريخ يقدم لنا شواهد كثيرة على ذلك.

ففي منتصف القرن الماضي شهد العالم أزمة كبرى حول أحد أهم الممرات المائية في العالم.

انشغل الناس يومها بالسفن والجيوش والخطابات السياسية، لكن السنوات اللاحقة كشفت أن أهمية الحدث لم تكن فيما جرى على سطحه فقط، بل في الطريقة التي راقبت بها القوى المختلفة المشهد وأعادت بناء حساباتها على ضوء نتائجه.

فالدول لا تتعلم من البيانات الرسمية بقدر ما تتعلم من السلوك الفعلي للآخرين.

من سيعترض؟

ومن سيتكيف؟

ومن سيعيد التموضع؟

ومن سيكتشف أن مصلحته ليست حيث كان يظن؟

وهنا تكمن الحكمة التي تحتاجها الأجيال الجديدة.

فليست الحكمة أن ننتظر عالمًا يخلو من الصراعات، لأن ذلك لم يحدث في تاريخ البشر.

وليست الحكمة أن ننشغل بتوزيع الاتهامات، لأن ذلك لا يغير موازين القوى.

الحكمة أن نفهم اتجاه الريح قبل أن تهب بقوة، وأن نبني أشرعتنا بما يسمح لنا بالوصول إلى بر الأمان بأقل الخسائر الممكنة.

ففي عالم التحولات الكبرى لا تنجح دائمًا الدول الأقوى، بل تنجح كثيرًا الدول التي تقرأ المشهد بهدوء، وتفهم مصالحها بدقة، وتعرف كيف تبني التوازن بين ما تتمنى حدوثه وما يمكن تحقيقه فعلًا.

وهنا ربما يبرز السؤال الأهم بالنسبة لنا.

نحن ندرك حجم التحديات التي مرت بها منطقتنا خلال العقود الأخيرة.

وندرك حجم الخسائر والتراجعات التي أصابت كثيرًا من مؤسساتنا واقتصاداتنا ومجتمعاتنا.

لكن الخطأ الأكبر أن يتحول الاعتراف بالضعف إلى إيمان بالعجز.

فالضعف حالة.

أما العجز فهو قرار.

ورغم كل ما مرّ بنا، ما زلنا نملك عناصر قوة حقيقية إذا أحسنا قراءتها واستثمارها.

فموقعنا الجغرافي ما زال في قلب طرق الحركة العالمية.

ومواردنا البشرية ما زالت قادرة على الإبداع.

وخبرات أبنائنا المنتشرين في العالم ما زالت تمثل رصيدًا هائلًا.

أما سوريا، فرغم ما أصابها، فما زالت تحمل قيمة تتجاوز حدود الجغرافيا.

فهي لم تكن عبر التاريخ مجرد أرض على الخريطة، بل نقطة التقاء للطرق والثقافات والأفكار والتجارة.

وهذه ليست مجرد ذاكرة تاريخية نرويها للأجيال، بل فرصة يمكن أن تتحول إلى قوة إذا توفرت الرؤية والإدارة والاستقرار.

فالأمم لا تبني مستقبلها انطلاقًا مما تفتقده فقط، بل من فهمها العميق لما تملكه.

وما تحتاجه الأجيال ليس أن تتعلم كيف تلعن الظروف، بل كيف تقرؤها.

وكيف تكتشف داخل كل تحول مساحة يمكن تحويلها إلى فرصة.

فالدول الحكيمة لا تنتظر المشهد المثالي.

بل تبحث داخل المشهد القائم عن أفضل موقع ممكن.

وتسعى إلى تحقيق أكبر قدر من المصالح المشروعة، وأقل قدر من الأضرار الممكنة.

ولعل هذه هي أهم قراءة بين السطور:

أن فهم التحولات ليس ترفًا فكريًا.

بل شرط من شروط البقاء والتقدم في عالم لا يتوقف عن التغير.

فالعواصف ستبقى جزءًا من حركة التاريخ.

أما البوصلة…

فهي التي تحدد إلى أين تصل السفينة في النهاية وهي تحمل أجيالًا تبني أملاً من تاريخ قريب

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

العدالة الانتقالية.. حماية للوطن وحقٌّ للضحايا وحقيقة لا يمكن دفنها

    بقلم: جمعان العمير   العدالة الانتقالية ليست انتقاماً، بل هي الطريق الذي يحمي المجتمع من تكرار المأساة ويمنع الانتهاكات من أن تعود مرة ...