آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » انهيار الدولة مسؤولية مشتركة بين ثلاثة أطراف..

انهيار الدولة مسؤولية مشتركة بين ثلاثة أطراف..

 

بقلم: القاضي المتقاعد حسين حمادة
مدير المركز السوري للدراسات القانونية

لا يتحمل مسؤولية انهيار الدولة شخصٌ واحد، وإنما تتوزع هذه المسؤولية بين ثلاثة أطراف، لكل منهم نصيب من المسؤولية الأخلاقية والوطنية؛ لأن انهيار الدول لا يحدث فجأة، بل هو نتيجة سلسلة من الإجراءات والقرارات الخاطئة، والتنازلات الأخلاقية، والصمت المجتمعي.

أولاً: الشخص الذي يقبل المنصب وهو غير مؤهل له

إن قبول الإنسان تولي منصب عام أو وظيفة عامة، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه غير مؤهل علميًا أو مهنيًا أو أخلاقيًا لشغلها، يشكل إخلالًا بالأمانة العامة وخيانةً للمسؤولية التي ستنعكس آثارها على مصالح الناس وحقوقهم.

فالمناصب العامة ليست غنائم، ولا جوائز ترضية، ولا مكافآت على الولاء، وإنما هي تكليف ومسؤولية، وأمانة تتعلق بمصير الناس ومستقبل الدولة.

ومن يقبل هذا المنصب وهو يفتقد الحد الأدنى من الكفاءة والأمانة، فإنه يقدم مصلحته الشخصية على المصلحة العامة، وهذا يعكس خللًا في منظومته القيمية، واستعدادًا للتضحية بمؤسسات الدولة في سبيل وجاهة اجتماعية أو منفعة شخصية.

فالموظف غير الكفء لا يضر نفسه فحسب، وإنما يضر كل من تقع مصالحه تحت سلطته، ويحول المؤسسة العامة إلى عبء على الدولة بدلًا من أن تكون أداة لخدمتها.

ثانيًا: المسؤول الذي يصدر قرار التعيين

وتزداد المسؤولية جسامة عندما ننتقل إلى صاحب القرار الذي يملك سلطة التعيين، فهنا لا يخرج الأمر عن احتمالين:

الاحتمال الأول: أن يكون لا يعرف حقيقة الشخص الذي عيّنه، وفي هذه الحالة يكون قد قصّر في أداء واجبه، واتخذ قرارًا دون تحرٍ أو تدقيق، وهو تقصير إداري وأخلاقي يوجب مساءلته؛ لأن من يتولى شؤون الناس لا يُعذر بالجهل بمن يضعهم في مواقع المسؤولية.

الاحتمال الثاني: أن يكون عالمًا بعدم أهلية الشخص، ومع ذلك يصر على تعيينه. وهنا تنتقل المسألة من مجرد التقصير إلى التواطؤ مع الفساد؛ لأن تعيين غير الأكفاء عن علم ليس خطأً عارضًا، بل ممارسة تهدم مؤسسات الدولة، وتقوض مبدأ تكافؤ الفرص، وتحبط أصحاب الكفاءات، وتدفعهم إلى الهجرة أو العزوف عن خدمة وطنهم، وتفتح الباب أمام مزيد من الفشل والانهيار.

وأخطر أشكال الفساد ليس سرقة المال العام فحسب، بل سرقة المناصب العامة من أصحاب الكفاءة وتسليمها لمن لا يستحقها؛ لأن هذا النوع من الفساد ينتج آلاف الأخطاء التي تتراكم حتى تصبح سياسة دولة.

ثالثًا: المجتمع الذي يتعامل مع هذه الظاهرة

ولا تقف المسؤولية عند حدود الشخص الذي قبل المنصب أو المسؤول الذي أصدر قرار التعيين، بل تمتد إلى المجتمع نفسه.

فإذا كان المجتمع غير مبالٍ بما يجري، ولا يكترث بمن يتولى إدارة شؤونه، ولا يطالب بالمحاسبة، ولا يدافع عن مبدأ الكفاءة، فإنه يتحول إلى مجتمع سلبي يترك مستقبله يُدار دون رقابة أو مساءلة، فيصبح شريكًا في صناعة الفشل بصمته، كما يشارك غيره بالفعل.

أما إذا كان المجتمع يعرف حقيقة المسؤول وصاحب قرار التعيين، ثم يهرع إلى تهنئتهما، ويغدق عليهما عبارات الثناء، ويصف قرار التعيين بالحكمة، وينسب إلى الشخص المعيّن من الفضائل والإنجازات ما لا يملكه أصلًا، طمعًا في منفعة، أو خوفًا من خسارة مصلحة، أو سعيًا إلى التقرب من أصحاب النفوذ، فإننا نكون أمام صورة من صور النفاق الاجتماعي، وهو فساد لا يقل خطرًا عن الفساد الإداري.

فالمجتمع الذي يجامل على حساب الحقيقة، ويصفق للخطأ، ويزين الفشل، ويهاجم كل من ينتقد أو يطالب بالإصلاح، يسهم – بقصد أو بغير قصد – في إدامة منظومة الفساد؛ لأن المسؤول الفاسد لا يعيش إلا في بيئة تبرر أفعاله، وغير الكفء لا يستمر إلا إذا وجد من يصنع له هالة زائفة من النجاح. فالتصفيق للأخطاء لا يصنع هيبة للدولة، وإنما يصنع أوهامًا سرعان ما تنهار عند أول اختبار.

الخلاصة

تُبنى الدولة القوية على ثلاثة أركان:
1. ضمير يرفض تولي ما لا يستحق.
2. قرار لا يختار إلا الأكفأ والأكثر نزاهة.
3. مجتمع لا يجامل على حساب الوطن، ولا يسكت عن الخطأ، ولا يزين الفساد.

وتنهار الدولة عندما يطغى الطموح الشخصي على الشعور بالمسؤولية، ويُقدَّم الولاء على الكفاءة، والمصلحة على النزاهة، والمجاملة على الحقيقة.

فالدول لا تنهار بسبب نقص الموارد، ولا بسبب الأزمات الاقتصادية وحدها، وإنما يبدأ انهيارها الحقيقي عندما تُهدر معايير الكفاءة والأمانة في شغل المناصب العامة، ويصبح الولاء أو القرابة أو المصلحة أو المجاملة بديلًا عن العلم والخبرة والنزاهة.

وحينها لا يكون الفساد مسؤولية شخص واحد، بل يصبح ثقافة عامة يشترك في صناعتها من قبل المنصب بغير حق، ومن منحه إياه بغير استحقاق، ومن صفق لهما
وهو يعلم الحقيقة.

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قراءة هادئة بين السطور (2).. بين نقاش سياسي… وتعافٍ وطني

  بقلم: المهندس محمود محمد صقر هناك مقالات تُقرأ ثم تُطوى صفحتها، وهناك مقالات تستحق أن تتحول إلى حوار وطني هادئ. ومن هذا النوع، في ...