آخر الأخبار
الرئيسية » إقتصاد و صناعة » الإمارات وسوريا… اقتصاد يصنع الاستقرار

الإمارات وسوريا… اقتصاد يصنع الاستقرار

محمد فيصل الدوسري ​

 

لم يعد التقارب الإماراتي – السوري يقتصر على دعم عودة دمشق إلى محيطها العربي والدولي. ومع بدء الولايات المتحدة إجراءات إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، تدخل العلاقة بين البلدين مرحلة مختلفة، عنوانها الانتقال من الانفتاح السياسي إلى بناء شراكات اقتصادية واستراتيجية تستند إلى المصالح المشتركة ورؤية طويلة المدى للاستقرار.

 

قبل أشهر، كان التركيز منصبّاً على استعادة سوريا حضورها الديبلوماسي وإعادة دمجها في محيطها الإقليمي. أما اليوم، فتترجم هذه المقاربة إلى خطوات عملية تعكس رؤية إماراتية تعتبر دعم مؤسسات الدولة ووحدة أراضيها أساساً للاستقرار وتهيئة بيئة تسمح بالتنمية والاستثمار.

 

وتتسق هذه المقاربة مع المواقف الإماراتية تجاه دمشق. فقد أكدت الإمارات دعم وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، ورحّبت بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي البلاد ضمن مؤسسات الدولة، كما دعمت جهود السلطات في ترسيخ الأمن ومواجهة التنظيمات المتطرفة. وتعكس هذه المواقف أولوية بناء دولة وطنية قادرة على أداء مسؤولياتها.

 

وبدأت الشراكة الاقتصادية تواكب التقارب السياسي. فقد بلغت التجارة غير النفطية بين البلدين 1.4 مليار دولار في عام 2025، بزيادة قدرها 132%، ووصلت الوفود الاقتصادية الإماراتية إلى دمشق، وبدأت الاستثمارات تتحول إلى واقع ملموس. ومن أبرزها اتفاق موانئ دبي العالمية لتطوير ميناء طرطوس وتشغيله باستثمار يبلغ 800 مليون دولار، انطلاقاً من البنية اللوجستية التي تحرك التجارة وتربط الأسواق، وصولاً إلى قطاعات السياحة والعقار والخدمات. كذلك، كشف محمد العبار، مؤسس شركة “إعمار”، عن مشروعات قيد الدراسة في دمشق وعلى الساحل السوري تصل قيمتها الإجمالية إلى 19 مليار دولار، بما يعكس توسع الحضور الاقتصادي الإماراتي في سوريا.

 

وتتجاوز أهمية هذه المشروعات قيمتها الاستثمارية، إذ ترتبط أيضاً بالموقع الجغرافي لسوريا. فالإمارات تنظر إلى سوريا باعتبارها حلقة وصل بين الخليج والعراق وشرق المتوسط، بما يفتح المجال أمام ممرات تجارية جديدة تعزز حركة النقل وسلاسل الإمداد. ولهذا يكتسب تطوير الموانئ والبنية اللوجستية أهمية تتجاوز حدود السوق السورية، لأنه يضع الاستثمار ضمن رؤية أوسع لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي وربطها بالأسواق العالمية.

 

وتوفر الخطوات الأميركية الأخيرة بيئة أكثر ملاءمة لتوسع الاستثمار. فإزالة القيود القانونية والسياسية تسهم في خفض مستوى المخاطر أمام المستثمرين، وتشجع المؤسسات المالية والشركات الدولية على إعادة تقييم السوق السورية. لكن هذه الفرصة تظل مرتبطة بقدرة دمشق على ترسيخ الاستقرار، وتطوير البيئة القانونية، وحماية العقود، وتعزيز كفاءة مؤسسات الدولة، لأن رأس المال يبحث أولاً عن الثقة قبل العائد.

 

ويعكس حضور الرئيس أحمد الشرع في أنقرة ولقاءاته على هامش قمة حلف شمال الأطلسي تغيراً في موقع سوريا الإقليمي والدولي، مع انفتاح متزايد عليها وعودتها إلى محافل غابت عنها طوال سنوات. لكن قيمة هذا التحول ستقاس بمدى انعكاسه على الأوضاع المعيشية للسوريين، وبقدرة الدولة على تحويل الانفتاح الخارجي إلى نمو اقتصادي وفرص عمل واستثمارات مستدامة.

 

التقارب الإماراتي – السوري يدخل اليوم مرحلة أكثر عمقاً. فالإمارات لا تنتظر تجاوز سوريا جميع تحدياتها كي تستثمر فيها، بل تنظر إلى الاستثمار باعتباره جزءاً من دعم استقرارها. ويبقى نجاح المقاربة الإماراتية مرهوناً بقدرة دمشق على تحويل الفرص المتاحة إلى إصلاحات تعزز الثقة، وتجعل الاستثمار جزءاً من مشروع وطني يضع سوريا على طريق النمو والازدهار.

 

 

 

*كاتب إماراتي

 

 

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الصكوك السيادية في سوريا.. خبير يستعرض 3 فوائد للدولة و2 للمواطن

تتجه وزارة المالية نحو خطوة هي الأولى من نوعها بإصدار الصكوك السيادية في سوريا، ضمن مسار يهدف إلى بناء أدوات جديدة للسياسة المالية، وتنويع مصادر تمويل الموازنة ...