في 29 مارس/آذار 2026، وبعد شهر من بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لم يكن على وزراء الخارجية العرب أن يبرحوا عواصمهم. اجتمعوا عبر الاتصال المرئي، كل من مكتبه، في الدورة العادية الخامسة والستين بعد المئة لمجلس جامعة الدول العربية، برئاسة مملكة البحرين.
البند الأوحد على الطاولة يومها كان الهجمات الإيرانية على أراض عربية والتي طالت دول الخليج والأردن والعراق، حينها ألقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي كلمة بلاده مدينا الاعتداءات الإيرانية ومبديا دعم مصر للأشقاء الخليجيين. لكن مع ذلك، طلبت القاهرة الإبقاء وسط هذا الزحام على بند آخر، وهو النظر في ترشيح وزير خارجيتها الأسبق نبيل فهمي أمينا عاما جديدا للجامعة، خلفا لأحمد أبو الغيط. مرّ الطلب بالإجماع، على أن تُرفع التوصية إلى القمة العربية المقبلة التي تستضيفها السعودية للتصديق النهائي عليه.
لم يكن الإجماع بلا سياق تنافسي. فقد جرى العرف دون إلزام في ميثاق الجامعة أن يكون الأمين العام من دولة المقر، وطوال صيف 2025 تداولت الأوساط الدبلوماسية أسماء مصرية عدة لخلافة أبو الغيط، بينها وزير الخارجية بدر عبد العاطي، والأمين العام المساعد للجامعة حسام زكي، والوزير السابق سامح شكري، وحتى رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، قبل أن يتقدّم اسم فهمي القائمة. وحسمت القاهرة أمرها قبل أشهر من الدورة، بعد مشاورات مع الدول الفاعلة في الجامعة ضمنت ألا يواجه الترشيح اعتراضا، فجاء التمرير سلسا.
“يتسلم فهمي المنصب في اللحظة التي انهار فيها تقريبا كل ما آمن به جيله حول العروبة والتكامل العربي”
بعد 3 أشهر، وفي الدورة نفسها وقد استُؤنفت في عمّان في 22 يونيو/حزيران، صار الاعتماد رسميا وبتفويض من القادة العرب. يبلغ فهمي من العمر 75 عاما، وهو الوجه المصري الجديد لمنصب ظلت القاهرة تحتكره منذ تأسيس الجامعة عام 1945، باستثناء سنوات تولى فيها التونسي الشاذلي القليبي الأمانة بعد نقل المقر إلى تونس عقب معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية التي أغضبت العرب والمصريين حينها على السواء. لكن اللافت لم يكن اسم فهمي وحده، بل توقيت الترشيح. فالرجل الذي حمل ملف الدبلوماسية المصرية بكل تعقيداته يُختار لقيادة المؤسسة التي يُفترض أنها تجسّد الإرادة العربية المشتركة، في لحظة تبدو فيها هذه الإرادة عند أدنى مستوياتها منذ عقود.
يتسلّم فهمي المنصب في اللحظة التي انهار فيها تقريبًا كل ما آمن به جيله حول العروبة والتكامل العربي. وفي كلمته الأولى بعد الاختيار قدّم بطاقة تعريف مبكّرة عن نفسه، حين قال إنه يتحمل المسؤولية “بكل جدية ووعي، في ظل ما تواجهه أمتنا من تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي، من قِبل أطراف معتدية غدرا على دولنا، وأخرى طال احتلالها أراضينا، وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة”.

يجمع الرجل بين الإقرار بصعوبة اللحظة والتمسّك بمرجعية القانون في تلخيص لمسيرته منذ عمله سفيرا لمصر في واشنطن قبل عقود. ولهذا فإن قراءة نبيل فهمي ليست سيرة فردية؛ إنها مدخلٌ لقراءة حال العرب أنفسهم: ماذا يقول اختياره عن النظام العربي؟ وماذا يقول فهمي عن نفسه؟ سؤال سنحاول الإجابة عنه من حول الرجل، إذ ظل طوال مسيرته أقرب إلى الغرف المغلقة منه إلى الميكروفون، فلم يترك من نفسه سوى مذكراته، وسجل دبلوماسي طويل، وشهادات من عملوا معه.
ولأن الرجل قليل الظهور، فقد اعتمد هذا “البروفايل” في بناء صورة فهمي على 3 روافد: مذكراته المنشورة “في قلب الأحداث” وكتاباته ومقابلاته العلنية بما في ذلك برنامجه المُعلن في أول مؤتمر صحفي له أمينا عاما للجامعة؛ وسجلٍّ من الوقائع الموثّقة التي راجعناها من مصادرها الأصلية؛ وشهادات 6 أشخاص ممن عملوا معه أو تقاطعت مساراتهم مع مساره، تحدث بعضهم للجزيرة نت بأسمائهم، وفضل آخرون عدم الكشف عن هوياتهم فأشرنا إليهم بصفاتهم الوظيفية أو حسب قربهم من فهمي. وحيثما وردت قراءة تخص تصور فهمي نفسه لأحداث عاشها، نبّهنا إلى مصدرها.
الاسم الأخير.. والجرح الأول
يمكن القول إن أحد أهم مفاتيح فهمي هو الاسم الذي ورثه. فهو نجل إسماعيل فهمي، وزير خارجية مصر في عهد الرئيس الراحل أنور السادات بين عامي 1973 و1977، الذي استقال احتجاجا على توجّه السادات للتقارب مع إسرائيل، وهي الاستقالة الأيقونية في الذاكرة الدبلوماسية المصرية.
كان إسماعيل فهمي قد تولى مسؤولية وزارة الخارجية المصرية مباشرة بعد حرب 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973، وظل في منصبه حتى قرر السادات زيارة القدس، فاستقال قائلا إنه يعتقد أن هذا سيضر بالأمن القومي المصري، وسيضر بعلاقة مصر مع الدول العربية الأخرى، وسيدمر قيادتها للعالم العربي في نبوءة صدقتها الأيام. عاش الابن “رونق المنصب” في بيت والده صغيرا، حتى صار، كما يصفه مصدر قريب من مكتبه، مولعا بالشؤون الخارجية دون نزوع خاص إلى المنصب العام، لأن أجواءه كانت مألوفة له منذ الطفولة.
“تركت هزيمة عام 1967 جرحا في وعي نبيل فهمي وجيل كامل من المصريين والعرب
وُلد نبيل في نيويورك عام 1951، في أثناء عمل والده في البعثة المصرية الدائمة لدى الأمم المتحدة. لكن ولادته الثانية، أو ربما الجرح المؤسِس جاءه وهو في سن 16 عاما. يروي نبيل فهمي في مذكراته “في قلب الأحداث” أنه كان طالبا في الثانوية صباح 5 يونيو/حزيران 1967، ابتهج لأنباء الراديو الأولى المنتشية بالنصر، قبل أن تتكشّف الهزيمة على مدى ساعات ثقيلة.

تلك اللحظة ظلت جرحا في وعي نبيل فهمي وجيلٍ كامل من المصريين والعرب. وكان والده هو الوزير الذي رفض بعد 10 سنوات زيارة القدس، لأنه عدها “تنازلا كبيرا، وأنها تنطوي ليس فقط على الاعتراف بإسرائيل، وإنما على التسليم بأن القدس المحتلة عاصمة لها”. وقبلها، في مفاوضات فك الاشتباك الثانية عام 1975، امتنع الأب عن التوقيع بنفسه وكلف وكيل الوزارة به، اعتراضا على أسلوب واشنطن في التفاوض وعلى “اندفاع السادات” كما رأى. ولعل تلك المعاني القومية والموقف من إسرائيل ورثها الابن كما ورث الاسم.
كان بعض الزملاء يسمون عمرو موسى ونبيل العربي وأحمد ماهر ونبيل فهمي “جيل 242″، نسبة إلى قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي أعقب هزيمة يونيو/ حزيران 1967. يقول مسؤول دبلوماسي عمل معه في السابق إن “جيناتهم” كلها ترتبط بالحرب والسلام مع إسرائيل و”قرارات الشرعية الدولية”. فهمي ابن هذه المرحلة بامتياز، وقد أضاف إليها نزعة قومية عربية وإيمانا بأن إسرائيل تمثل خطرا وجوديا، حتى إن المسؤول نفسه يستدرك أنه “لا يوجد أحد في مصر على قيد الحياة اليوم أكثر إلماما بملف عملية السلام منه، بخلاف السيد عمرو موسى”. جيلٌ آمن بأن القانون يجب أن يعلو القوة؛ وهي القناعة التي سيحملها فهمي إلى الجامعة العربية في اللحظة التي نشهد فيها تهاوي كل ما بناه ذلك الجيل من محاولات التفاهم مع إسرائيل.
في الغرف المغلقة
حصل فهمي على بكالوريوس الفيزياء والرياضيات من الجامعة الأمريكية بالقاهرة مطلع عام 1974. وقُبيل انتهاء خدمته العسكرية جاءته عروض مصرفية براتب “يعادل 21 مرة” راتبه المتوقع في الخارجية، ويقول عن نفسه إنه وجد نفسه “في مسافة متوسطة بين النقيضين؛ إذ كنت مولعا بالشؤون الخارجية، لكنني لم أكن أنوي العمل في المجال الدبلوماسي بسبب الضغوط المرتبطة بالسفر المستمر”. في النهاية، اجتاز امتحان الخارجية والتحق بها في مارس/آذار 1976، وضمه والده إلى مكتبه، حيث التقى أسماء ستصير نجوم الدبلوماسية المصرية من نبيل العربي وأسامة الباز إلى عمرو موسى وحتى محمد البرادعي.
لكن بدايته الفعلية كانت في رئاسة الجمهورية. يروي في مذكراته: “بعد تخرجي في الجامعة فوجئت باتصال من الدكتور أشرف مروان زوج كريمة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وكان يتولى منصب سكرتير الرئيس أنور السادات للاتصالات الخارجية بديوان رئاسة الجمهورية، (…) ودعاني مروان للعمل معه في إطار عملية إعادة تشكيل المكتب اعتمادا على نسبة أكبر من الشباب، وهو أمر لم يكن غريبًا باعتبار أن مروان نفسه لم يكن قد تجاوز الثلاثين من عمره”. عمل فهمي في تشفير البرقيات الرئاسية وفكّها، فاشتبك مبكرًا بتفاصيل السياسة الخارجية في أعلى مستوياتها.
مستوياتها.

وحين يقترب فهمي من روايات اتهام مروان بالعمل عميلا مزدوجا لصالح إسرائيل، يكتب بعناية لافتة: “وعلى الرغم من أنني كنت مقربا من مروان وشاهدا على البعض من تصرفاته الوظيفية غير التقليدية بما فيها سهولة توافر طائرات غير تجارية لرحلاته وجولاته وإقامته في أعظم وأغلى فنادق العالم، واتصالاته بمكتب وكالة الاستخبارات الأمريكية في القاهرة، فليس لدي دليل ولا معلومات محددة تجعلني أرجح نظرية على أخرى بالنسبة إلى دور أو مهام مروان”. السبب الآخر وراء نظرة فهمي “الحيادية” تجاه مروان أن أغلب هذه الاتهامات كانت وهو في الجامعة فترة حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 وما قبلها، في حين انضم هو إلى المكتب عام 1974، ورغم ذلك فإن ما أورَدَه عن مروان يثير الشبهات أكثر مما ينفيها.
في صيف 1975 انتهت علاقته بمروان بخلاف، فاستقال من الرئاسة، لكن الاستقالة لم تمر دون انعطافة جوهرية حين اتصل به نائب الرئيس آنذاك حسني مبارك وطلب ضمّه إلى مكتبه. لاحقا، جاءت أولى مهامه الخارجية الكاملة في البعثة الدائمة لدى مقر الأمم المتحدة الأوروبي بجنيف (1978–1982)، مسؤولا عن نزع السلاح والشؤون المتصلة بالصراع العربي الإسرائيلي، قبل أن يعود إلى القاهرة بطلبه ليوفّر الاستقرار لأطفاله، فاقترب أكثر من مركز السلطة. وفي عام 1986 عاد إلى موضع ولادته في نيويورك ضمن بعثة مصر في الأمم المتحدة، حتى انتُخب عام 1989 نائبًا لرئيس اللجنة الأولى المعنية بنزع السلاح؛ وهو التكوين الذي يجمع أدوات جنيف ونيويورك بالعمل الدبلوماسي والعلاقات الثنائية الذي سيتكئ عليه نبيل لاحقا طوال مساره.
“استقال فهمي من الرئاسة عام 1975، وبعدها اتصل به نائب الرئيس آنذاك حسني مبارك وطلب ضمه إلى مكتبه”
وفي ملف نزع السلاح تحديدا تكوّنت عنده فكرة تشرح عقيدته السياسية كلها. إذ يروي المصدر من داخل مكتب فهمي أن مصر كانت المبادِرة بطرح فكرة منطقة خالية من السلاح النووي في الشرق الأوسط عام 1974، ثم أُقنعت بالانضمام إلى معاهدة عدم الانتشار عام 1981 مقرونة بوعد بالعمل على ضمّ إسرائيل إليها، ولم يحدث في هذا الملف أي تحرك.
وكان لفهمي تحفظ شخصي على ذلك الانضمام، فقد كان يرى أن الاتفاقية التي وقّعتها مصر قيدتها ولم تقيد الخصم الذي رفض الانضمام إليها، تلك هي المرارة التي سيحملها الرجل من اللجنة الأولى إلى آخر مناصبه، وهي الوجه الآخر لإيمانه بأن قوة القانون يجب أن تعلو على قانون القوة، لأن القانون حينها يصير قيدًا على الملتزمين به وحدهم. وسيبقى ذلك الخيط ممتدًّا في مساره باعتباره عضوًا في المجلس الاستشاري للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح منذ عام 1999، ثم رئيسًا له عام 2001.
في مايو/أيار 1991 عين مبارك عمرو موسى وزيرًا للخارجية، فاختار فهمي مستشارا سياسيا له في وظيفة مستحدثة بلا توصيف سابق، صارت عمليا تعني المكلَّف بالملفات التي يريد الوزير حسمها سريعا، واستمر فيها نحو 7 سنوات، ولم يُعيَّن أحد بعده فيها. ومن هذا الموقع كان حاضرا في المحطات الفارقة. في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، حين طلب الأمريكيون الاطّلاع على كلمات الوفود قبل إلقائها، أخبرهم فهمي أن أحدًا لن يرى كلمة الوفد المصري قبل أن يلقيها موسى، الذي كان قد تفرّغ شهرًا لمراجعتها وعرْضها على مفكرين مصريين حتى خرجت معبرة عن المزاج الوطني.
وبحسب مسؤول كبير سابق في الخارجية تحدثت للجزيرة نت طالبا عدم ذكر اسمه، فإن موسى سبق وأن نال ترقية استثنائية من إسماعيل فهمي خلال توليه وزارة الخارجية، وربما يعتقد البعض أن موسى أراد رد الجميل لنجله بتعيينه بالقرب منه، لكن المصدر القريب من مكتب فهمي نفى حصوله على أي ترقية استثنائية طَوال فترة عمله، وأن تعيينه لم يكن مجاملة بقدر ما كان اعترافا بـ”كفاءته الدبلوماسية”. كذلك يذكر السفير معتز أحمدين، مندوب مصر السابق لدى الأمم المتحدة، أن الدخول إلى السلك الدبلوماسي يكون عبر امتحانٍ تحريري “هو الفيصل، ومن لا يجتازه لا يدخل”، ويتابع أن “فهمي كان سفيرا متميّزا في مرتبة أعلى من المقبول، وهو ما أهّله لرئاسة البعثة الدبلوماسية المصرية في واشنطن لاحقا”.
“كان فهمي قناة الاتصال بين ياسر عرفات ومصر خلال مفاوضات أوسلو”
كان فهمي “قناة الاتصال” بين ياسر عرفات ومصر خلال مفاوضات أوسلو، ومن ذلك الموقع أسدى فهمي إلى عرفات نصيحة سيثبت الزمن أنها كانت من أثمن ما قيل له حين حذّره من التوقيع على اتفاق باريس الاقتصادي. لم يستمع عرفات، ووُقّع البروتوكول في 29 أبريل/نيسان 1994 بوصفه ترتيبًا انتقاليًّا لـ5 سنوات، فإذا به يتحوّل إلى قفص دائم للسلطة لا تستطيع الفكاك منه، فيه غلافٌ جمركي يربط الاقتصاد الفلسطيني بالإسرائيلي، وأموال “مقاصة” تجبيها إسرائيل نيابة عن الفلسطينيين ثم تحوّلها إليهم أو تحتجزها متى شاءت -وقد شاءت مرارا!- حتى صار البروتوكول الذي حذّر منه فهمي أداةَ الخنق المالي الأولى للسلطة إلى يومنا.
ثم جاءت اللحظة التي أمل الفلسطينيون أن ينتصر فيها القانون الدولي أو أن يحقق للدولة الفلسطينية ما لم تستطع المقاومة المسلحة تحقيقه. في الأيام الأخيرة من عام 2000 عُرضت “معايير كلينتون”، التي نصّت، كما ينقلها فهمي في مذكراته، على دولةٍ فلسطينية على نحو 94 إلى 96 في المئة من الضفة الغربية وقطاع غزة، مع ترتيبات خاصة بالقدس، وعودة مبدئية للاجئين إلى الدولة الفلسطينية. ويروي فهمي مشهدا من داخل الغرفة حيث التقى عرفات بكلينتون. كان اللقاء يجري على ما يرام إلى أن دخل دينيس روس، فتغيرت مواقف كلينتون، خاصة تجاه القدس.

قد تبدو هذه الرواية اتهاما عربيا مألوفا ضد أمريكا أو إسرائيل، لولا أن شاهدا من أهلها زكّاها بعد سنوات. فقد كتب آرون ديفيد ميلر، عضو فريق التفاوض الأمريكي الذي عمل في المكتب الذي كان روس يرأسه، اعترافه في صحيفة “واشنطن بوست” إذ قال إن مسؤولين أمريكيين كثيرين، وهو منهم، عملوا طويلا “محامين لإسرائيل” على حساب نجاح المفاوضات. أخبر عرفاتُ فهمي أنه وافق على المعايير مع تحفظات، بينما استقرت الرواية الفلسطينية والأمريكية الرسمية على أنه رفضها.
بعدها بعام ونيف شهد فهمي الدرس الأقسى. يذكر في مذكراته ملابسات ولادة المبادرة العربية للسلام فقال إنه “عقب أحداث سبتمبر/أيلول 2001 وجد العرب أنفسهم في موقف ضاغط” خاصة مصر والسعودية التي اتُهم 15 شخصا من مواطنيها بالتورط في الهجوم، فضلا عن أن محمد عطا، الرأس المدبر للهجوم، كان مصريا. ومن هنا خرجت المبادرة العربية للسلام في قمة 28 مارس/آذار ببيروت عام 2002، و”رغم ترحيب المجتمع الدولي بالتنازلات التي قدمتها فلم يعتمدها أحد أساسا للمفاوضات، كما انعقدت القمة وعرفات محتجز في مقره برام الله من قبل شارون”. قدم العرب استعدادا لاعتراف جماعي كامل بإسرائيل، مقابل الانسحاب وإعلان الدولة الفلسطينية في أسخى ما عُرض على الإسرائيليين في تاريخ الصراع، ثم وُضع العرض على الرف من غير أن يلتفت له أحد.
“تعلم فهمي أن القانون الذي آمن به جيله لا يساوي، عند من يملكون القوة، أكثر من ورقة تقرأ بابتسامة دبلوماسية باردة ثم تطوى وتوضع في الأدراج”
هكذا تعلم ابن “جيل 242″، قبل أن يبلغ الخمسين، أن القانون الذي آمن به جيله لا يساوي، عند من يملكون القوة، أكثر من ورقة تُقرأ بابتسامة دبلوماسية باردة ثم تُطوى وتوضع في الأدراج. ومع ذلك ظلّ يراهن عليه؛ فتلك، كما سنرى، إستراتيجية لا تكتيكاً يستخدمه.
في غضون ذلك، عمل فهمي سفيرا لمصر في طوكيو بين عامي 1997 و1999، فاصطدم مبكرا بمذبحة الأقصر التي قتل فيها 4 مصريين و58 سائحا أجنبيا، بينهم 10 يابانيين. استقبل فهمي جثامين اليابانيين في طوكيو، ثم استقل الطائرة العائدة نفسها إلى القاهرة ليتلقى العزاء في وفاة والده إسماعيل فهمي. في رحلة واحدة حمل الرجل فيها حدادَ بلاده وحداد البلد المضيف وحداد عائلته معا.
مهمة طويلة في واشنطن
بعد عام ونيف، عين مبارك نبيل فهمي سفيرا في واشنطن في 11 أكتوبر/تشرين الأول 1999، وظل فيها حتى عام 2008، في 9 سنوات هي الأطول في مسيرته وكانت حافلة بالأحداث الفارقة للمنطقة والعالم. يروي فهمي أن حسني مبارك أكد له أن الاختيار كان “شخصياً”، لفهمه العقلية الأمريكية ونزعتِه الاستقلالية. وصل فهمي إلى الولايات المتحدة يوم إعلان فوز المصري الدكتور أحمد زويل بجائزة نوبل في الكيمياء، وبعد أقل من 3 أسابيع وقعت كارثة سقوط طائرة مصر للطيران رقم 990 قرب الساحل الأمريكي الشمالي الشرقي، المعروفة إعلاميا بـ”طائرة البطوطي”.
هنا تقع أول مواجهةٍ بين رواية فهمي والسجلات الصحفية التي تغطي هذه الفترة. ينفي فهمي في مذكراته قصتين شهيرتين متداولتين: أن يكون على متن الطائرة أكثر من 50 عسكريا، أو أن يكون بعض كبار الضباط قد نجوا بتأجيل سفرهم إلى رحلة تالية، ويقول إنه قد يكون هناك بعض الضحايا من القوات المسلحة باعتبار أن مصر للطيران هي الشركة الوطنية وإنه لم يقض وقتا طويلا في متابعة هذه المبالغات أو الشائعات، ويتابع مفسرا: “لثقتي بأن الملحق العسكري المصري بواشنطن سيطلعني على الأمر إذا كانت لديه مشكلة بهذه الأهمية”.
لكن تقارير صحفية عدة، منها ما أوردته صحيفة “الغارديان” البريطانية ذكرت أن طائرة البطوطي كان على متنها أكثر من 30 عسكريا مصريا، وهو ما يختلف مع ملاحظة فهمي. كذلك أوردت تقارير أمريكية أن 33 عسكريا مصريا كانوا على متن الرحلة، بينهم ضباط كبار الرتب. في النهاية ساهمت مصر في التحقيقات بـ5 ملايين دولار، ضمن بروتوكول تمويل تكاليف عمليات البحث والانتشال في أعماق المحيط، ولكن مبارك رفض جميع المحاولات الأمريكية لتحويل القضية من حادثة إلى تحقيق جنائي، ونتيجة لذلك تحدثت الكثير من المصادر عن خلافات حادة بينه وبين آل غور، نائب الرئيس الأمريكي آنذاك، بسبب هذه القضية.
“رفضت مصر جميع المحاولات الأمريكية لتحويل طائرة البطوطي من حادثة إلى تحقيق جنائي”
ويمكن هنا استحضار مشهد من قلب الأزمة يرويه المصدر المقرب من مكتب فهمي. فقد فسّر المحققون الأمريكيون عبارة الطيار المساعد الأخيرة “توكلت على الله” بأنها نية انتحار، فكان رد فهمي عليهم أن الدولار الأمريكي نفسه مكتوبٌ عليه “نحن نثق في الرب” (In God We Trust) وهي تحمل ذات معنى “التوكل” تقريبًا، فهل أصحابه يريدون الانتحار؟ ويقدم هذا المشهد صورة واضحة عن أسلوب فهمي، فقد دافع عن بلاده بتوظيف حجة من جنس ثقافة الخصم، وهو الأمر الذي يوصله إلى النتيجة المرجوة بإثارة أقل قدر ممكن من العداوة.

كان فهمي في السنة الثانية من ولايته حين ضُربت العاصمة التي يعمل فيها في 11 سبتمبر/أيلول 2001، وانقلب فجأة موقع بلاده في الوعي الأمريكي. صارت مصر شريكا مطلوبا في “الحرب على الإرهاب” وموضع شبهةٍ ثقافية عامة طالت العرب جميعا. وحين يُسأل الرجل عن أصعب ما مرّ به في نصف قرنٍ من العمل، لا يذكر أزمةً تفاوضية ولا ملفًّا شائكًا؛ يقول المصدر المقرب من مكتب فهمي إن أقساها كان ملفا إنسانيا ففي تلك الفترة تحديداً، حين خيّم تشكيكٌ دولي في قيمة “الإنسانية العربية” ذاتها، وجد نفسه، وهو سفير لأكبر دولة عربية في قلب عاصمة الإمبراطورية التي هوجمت، مطالَبا بأن يثبت للعالم لا موقف بلاده فحسب، بل إنسانيته هو. يمكن الرد على اتهام سياسي بالحجّة أو الدبلوماسية؛ أما نزع الإنسانية والتشكيك في آدمية الشخص فجرح من طبقة أخرى.
وعلى هذا الجرح استمرت سنوات الحرب. فلم تجادل القاهرة كثيرا في أفغانستان؛ إذ كانت المطاردة الأولى ضد تنظيم تعرفه مصر منذ سنوات. لكن العراق كان شيئا آخر. عارضت مصر الغزو، وكان فهمي لسان هذه المعارضة في
آدمية الشخص فجرح من طبقة أخرى.
وعلى هذا الجرح استمرت سنوات الحرب. فلم تجادل القاهرة كثيرا في أفغانستان؛ إذ كانت المطاردة الأولى ضد تنظيم تعرفه مصر منذ سنوات. لكن العراق كان شيئا آخر. عارضت مصر الغزو، وكان فهمي لسان هذه المعارضة في واشنطن، ينقلها إلى الإدارة والكونغرس والرأي العام الأمريكي، محذرا من أن إسقاط بغداد بالقوة سيورث المنطقة اضطرابا طويلا. وبعد 20 عاما لخّص القصة في مذكراته بالقول إن قرار الغزو “كان في ذهن الإدارة منذ أول لحظات وصولها للسلطة”، وادعاءاتُ أسلحة الدمار الشامل وربط بغداد بأحداث سبتمبر “ثبت زيفها” ولم تكن إلا تبريرا لاحقاً لمشروع المحافظين الجدد. ربما خسر فهمي النقاش حين بدأت الحرب، لكنه سجل موقفه وموقف بلاده، وهذا نصف المهنة، أو جزء منها في أقل تقدير.
“عارضت مصر غزو العراق، وكان فهمي لسان هذه المعارضة في واشنطن”
ثم ارتدّت الحرب -ولو بطريقة أخرى- باتجاه القاهرة نفسها. في عقيدة بوش الثانية صار “نشر الديمقراطية” هو علاج “التطرف” من جذوره، ومصر ساحته الأولى. في يونيو/حزيران 2005 وقفت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، الحرم الذي تخرج فيه فهمي وسيؤول إليه عميدا لكلية الشؤون الدولية والسياسات العامة، لتقول جملتها التي انتشرت وبُنيت عليها سياسات وحكايات، قالت: “طيلة 60 سنة بحثت بلادي عن الاستقرار على حساب الديمقراطية في هذه المنطقة، ولم ننجز أيّا منهما”.
قبل ذلك بأشهر، كانت واشنطن قد حاولت لي ذراع القاهرة حين أجلت رايس زيارة مقررة احتجاجا على اعتقال المعارض أيمن نور، وترجح مصادر أن تلك الضغوط الأمريكية ساهمت في قرار مبارك وقتها بتعديل المادة 76 من الدستور بما سمح بأول انتخابات رئاسية تعددية. ثم جاءت الانتخابات البرلمانية أواخر عام 2005 بنتيجة لم تكن في حسبان الأمريكيين. قفز الإخوان المسلمون من 17 مقعدا إلى 88 ليصيروا أكبر كتلة معارضة في تاريخ البرلمان المصري منذ تأسيس الجمهورية وحتى ثورة يناير/ كانون الثاني 2011.
“فازت حماس بأغلبية المجلس التشريعي الفلسطيني، فانطفأت أجندة الحرية بالسرعة التي اشتعلت بها”
وبعد أسابيع فازت حماس بأغلبية المجلس التشريعي الفلسطيني، فانطفأت “أجندة الحرية” بالسرعة التي اشتعلت بها. وفي فبراير/شباط 2006 وقفت رايس نفسها في القاهرة إلى جوار نظيرها المصري بلهجة خفيضة، تاركة “الإصلاح” للمجتمع المدني المصري كي “ينظم نفسه”. شهد فهمي الدورة كاملة من مقعده سفيرا، حين ضغطت واشنطن لفتح اللعبة الديمقراطية، قبل أن تأتي اللعبة بالإسلاميين، لتغلق واشنطن أعينها وتُطفئ الضوء وتنصرف. وسيتذكر فهمي ذلك جيداً؛ فبعد 8 سنوات سيقف هو أمام واشنطن نفسها ليشرح لماذا أُطيح بمن أتت بهم صناديق الانتخابات.
لم تكن واشنطن ساحة أزمات تقنية أو دبلوماسية فحسب، بل مرصدا سياسيا. ينقل فهمي قراءته لاهتمام أمريكا بملف خلافة مبارك وأسماء 3 كانت محل دراستها. فقد كان الأمريكيون يقيّمون عمرو موسى، الذي لم يكونوا مرتاحين له، أو عمر سليمان، مدير المخابرات العامة والمقرب من مبارك والدوائر الأمنية والسياسية الأمريكية على السواء، وأخيراً جمال مبارك الذي تضاءل الاهتمام به بعد زيارته لواشنطن في عام 2008.
وقد شهدت العلاقة بين القاهرة وواشنطن توترا حقيقيا خلال خدمة فهمي في الولايات المتحدة، فقد غاب مبارك عن زيارته السنوية سنوات متتالية، وغادر خطاب بوش الابن في أثناء كلمته في شرم الشيخ عام 2008، فاتُّهم السفير بأنه جزء من أسباب التدهور. لكن شهادة هامة في هذا السياق تنافي هذا الزعم، إذ يقول السفير معتز أحمدين، مندوب مصر الأسبق لدى الأمم المتحدة، إن فهمي كان قادرا على “النفاذ إلى جميع الدوائر الأمريكية والأشخاص المناسبين، سواء في مجلسي النواب والشيوخ أو في مختلف دوائر الإدارة، بما في ذلك المكتب البيضاوي”.
“موجة أجندة الحرية والمحافظين الجدد كانت أكبر من قدرات أي مسؤول على احتوائها”
أما الظروف التي كان يعمل فيها، بحسب من عملوا معه، فقد كانت ضمن سياق أكبر كثيرا مما يمكن أن تتحكم فيه البعثة الدبلوماسية المصرية أو أن يؤثر فيه فهمي بعلاقاته ودبلوماسيته. فموجة “أجندة الحرية” والمحافظين الجدد كانت أكبر من قدرات أي مسؤول على احتوائها، لذا جاء قرار القاهرة بوقف زيارات مبارك بعد أن سُئل فهمي إن كان يضمن ألا يتعرّض الرئيس لموقفٍ محرج، فأجاب بصدق أنه لا يملك التحكّم فيمن يتظاهر أمام الفندق الذي يقيم فيه.
أوضح مشهد على طبيعة تلك الضغوط ما حدث بالتزامن مع زيارة مبارك مزرعة كروفورد بتكساس في أبريل/نيسان 2004. يذكر أحمدين أن بوش أصدر خطابا لرئيس الحكومة الإسرائيلية يقبل فيه نشاطا استيطانيا بالضفة، فبدا وكأنه “اتفق مع مبارك على ذلك” دون إخطار الجانب المصري، فغضب مبارك. وبحسب المذكرات فقد سأل مبارك فهمي بعدها: “الآن ماذا علينا أن نفعل في هذه المصيبة؟”، فأعد فهمي مسودة خطاب اعتراض أرسله مبارك بعد انتهاء الزيارة، لكن الخطاب الداخلي لم يكن كافيا لاحتواء الأضرار “ما أعطى انطباعا غير حقيقي عن موقف مصر”.
مصر”.

على الجبهة نفسها كان ملف حقوق الإنسان مختبرا يوميا. يروي المسؤول الدبلوماسي الذي عمل مع فهمي في السابق أن الهدف كان صون برنامج المساعدات الأمريكية بشقيه العسكري والاقتصادي من المشروطية التي يحاول فرضها أعضاء في الكونغرس للضغط على الحكومة المصرية لـ”تحسين سجلها في حقوق الإنسان”. بلغ الأمر حينها أن اشترط أحدهم احتجاز 250 مليون دولار من المعونة الاقتصادية إلى أن توافق مصر على بث قناة “الحرة” وإذاعة “سوا” من مدينة الإنتاج الإعلامي، فنجحت السفارة المصرية مع فهمي في إسقاط الشرط. جدير بالذكر أنه منذ عام 1946 قدمت واشنطن لمصر نحو 90 مليار دولار مساعدات ثنائية، مع قفزة هائلة بعد اتفاقات كامب ديفيد ومعاهدة السلام عام 1979.
2011 في مواجهة 2013
يقول فهمي في مذكراته عن ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 في مصر: “كنت أريد التغيير، لكنني لم أكن ناشطا سياسيا بطبيعتي، ولم أكن معارضا لنظام مبارك”. لكنّ شيئا انكسر فيه بعد “موقعة الجمل”، المحاولة الشهيرة لفض ميدان التحرير بالقوة. يكتب: “سألت نفسي: كيف يمكن لجيلنا الادعاء بامتلاك أي قيم، ونحن نسلم لجيل الشباب دولة بتلك الحالة؟ وغمرني شعور بالاشمئزاز مع تصاعد العنف ضد المدنيين، فقررت ألا أظل مراقبًا على الحياد”.
انضمّ فهمي وقتها إلى “لجنة الحكماء” التي التقت عمر سليمان نائب الرئيس الذي عينه مبارك على عجل، ثم دعم عمرو موسى في حملته الرئاسية، وحين فاز الرئيس الراحل محمد مرسي كتب مقالا يقر فيه برئاسته وإن لم يكن راضيا، مطالبًا إياه بمراعاة معارضيه. وقد انضمّ في تلك المرحلة إلى حزب الدستور الذي قاده محمد البرادعي قبل أن يجمد عضويته حين صار وزيرا بعد الإطاحة بمرسي في يوليو/تموز 2013.

وبحسب رواية المصدر القريب من مكتب فهمي لما جرى في عام 2011، فإنه رأى أن تراجع الوزن المصري لم يكن نتيجة رفض القوى الدولية، بل انكماش ذاتي راكمته أزمات داخلية متكرّرة، وتكرارُ مشكلاتٍ كانت مصر طرفا فيها، مع فقدان الرسالة القومية العربية جاذبيتها لأنها “لم تتطوّر مع الزمن”. أما الربيع العربي في قراءة فهمي فليس سبب الأزمة بل عرض لأوضاع غير مُرضية؛ ولو كانت المنظومة السياسية سليمة لاستوعبته بإيجابية. ولأن مصر دولة بمؤسسات ذات جذور، فقد “اهتزّت لحظات لكنها لم تنهَر”.
وفي القراءة نفسها يعتقد فهمي، حسب المصدر، أن الحكم الرشيد ضرورة لا تُشترط فيها القوالب الغربية أو الشرقية؛ فالمعيار أن يعرف الحاكم مصالح بلده ومواطنيه، وأن يشعر المواطن بأن مصالحه مصانة وهويته وحقوقه مؤمَّنة، وتلك هي المعايير الأهم لقياس كفاءة الحكم وحسن أدائه.
حلف فهمي اليمين وزيرا للخارجية في 16 يوليو/تموز 2013، في حكومة مؤقتة برئاسة حازم الببلاوي، خلفاً للوزير محمد كامل عمرو، وهو المنصب الذي كان قد رفضه 3 مرات من قبل. فسّر محلّلون الاختيار بأنه بحث عن وجه مدني مرموق يؤكّد الطابع المدني للمرحلة. وبعد أيام من حلف اليمين عقد فهمي مؤتمراً صحفياً وضع فيه محاور عمل الوزارة الثلاثة، وأولها “حماية ودعم الثورة ونقل صورتها الحقيقية للعالم الخارجي وتبني مبادئها”، عادا 30 يونيو/حزيران ثورةً “تصحيحية” تعيد أهداف 25 يناير إلى مسارها. وزير خارجية النظام الجديد يقدّم نفسه للعالم حارسا للثورة: جملة تلخص الجسر الذي أراد الرجل أن يكونه وتؤسس أيضا للسؤال الذي سيطارده.
“بعد الإطاحة بنظام مرسي، أصبح نبيل فهمي وجه الدولة المصرية أمام العالم”
وبعد أقل من شهر، في 14 أغسطس/آب، جرى فض اعتصامَي رابعة العدوية والنهضة بالقوة. يذكر فهمي في مذكراته أنه لم يكن في مصر وقت مناقشة الحكومة القرار، لكنه حضر عرْضه في مجلس الأمن القومي، وأنه “خرج من الاجتماع مقتنعاً بأنه قد بات واضحاً من عرض الببلاوي لقرار الحكومة أن الموقف قد حُسم، وأن فض الاعتصام بات وشيكا”. لم يذكر موقفه من النقاش الذي دار، واكتفى بالقول في مذكراته إن “سقوط قتلى مصريين من قوات الأمن أو المدنيين كان أمرا مزعجا للغاية”.
لكن التساؤل المشروع هنا، هو كيف يستقيم اشمئزاز فهمي من العنف ضد المدنيين في عام 2011 مع الحصول على مقعد في مجلس الأمن القومي في صيف عام 2013، حين حُسم قرار خلف مئات من القتلى في يوم واحد؟ لم يكن فهمي شريكا في القرار كما يقول، لكنه صار بعده وجهَ الدولة أمام العالم. في تلك الأشهر خرج إلى المنابر الغربية مدافعا عن التدخل العسكري للإطاحة “بالحكومة المستبدة للرئيس مرسي، والإخوان المسلمين” ودعما للحكومة المؤقتة، محتجا على إدانة الغرب لفضّ الاعتصامات، ومعبرا عن “خيبته لأن الغرب يلاحظ بالقدر نفسه ولا يدين العنف من الطرف الآخر”، حسب قوله.
في غضون ذلك، رد فهمي علنا على تلويح واشنطن بقطع المساعدات بقوله: “نسمع دائماً أنه إن لم تفعل مصر هذا أو ذاك فستُقطع المساعدات هنا أو هناك؛ وإن كان طرف يراجع المساعدات التي يقدّمها، فنحن نراجع المساعدات التي نتلقّاها”، ورفض “تدويل النقاش” حول ما جرى، طالبًا من وزارته مراجعة جدوى المساعدات السابقة. في تلك المرحلة، ومن داخل الحكومة نفسها، استقال نائب الرئيس المؤقت محمد البرادعي، رفيق مكتب الأب قبل عقود، وزعيمُ الحزب الذي انتمى إليه فهمي، احتجاجاً على فض الاعتصامات.
لكن ماذا عن رواية فهمي نفسه لما جرى وفق ما اطلع عليها المقربون منه؟ يرفض المستشار الأسبق بوزارة الخارجية محمد حنفي، الذي عمل مع فهمي وزيرا في القاهرة وسفيرا في واشنطن، فرضية التناقض في تصرفات فهمي. يقول إن فهمي “لم يكن شخصيةً ثورية منخرطة في ثورة يناير، لكنه داعمٌ لفكرة الإصلاح داخل الإطار المؤسسي مع الحفاظ على الاستقرار”، وإن لديه إيمانا حقيقيا بأن مصر قبل 30 يونيو/حزيران كانت تسير في اتجاه غير سليم، “ولولا اقتناعه بخطورة هذا الوضع ما قبل المهمة”.
ويصف المسؤول الدبلوماسي الذي عمل معه في السابق للجزيرة نت دور فهمي البارز في هذه المرحلة. فحين تولى الوزارة كانت عضوية مصر مجمدة في الاتحاد الأفريقي، والاعتراف بالنظام الجديد موضع شك، فاستخدم “رصيد 40 عاما” من المصداقية ليقنع العواصم العالمية بأن “صورتكم عن أحداث 30 يونيو/حزيران ناقصة”، فتغيّرت مواقف كثيرين لأن أمامهم وجهاً يعرفونه. ويؤكد أن لفهمي مواقف غير معلَنة اتّسقت مع ما نادى به بعد عام 2011، “وربما دفع ثمنا لذلك”.

يبقى أن العام نفسه حمل من الوقائع الأخرى ما يُبقي السؤال معلقا. ففي أغسطس/آب 2013 قُتل 5 مصريين في غارةٍ إسرائيلية بشمال سيناء، في اختبارٍ صعب لخطاب “الاستقلال الوطني” للدولة. وفي فترته الأخيرة في المنصب، وفي حوارٍ مع الإذاعة الوطنية الأمريكية “NPR” في أبريل/نيسان 2014 دافع فهمي عن “استقلال القضاء” المصري. وحين ووجه باسم زميله في الجامعة الأميركية، أستاذ العلوم السياسية عماد شاهين، المتهم في قضية وُصفت من قبل جهات حقوقية بأنها “ذات طابع سياسي”، قال إنه لا يملك حكما بالبراءة أو الإدانة، لكنه “أثار الأمر مع السلطات المصرية” لضمان حق زميله في الدفاع.
وفي الحوار نفسه، تحدث فهمي عن العلاقة بين القاهرة وواشنطن فقال إنها علاقة يصعب الانسحاب منها إلى حد أنها “تشبه الزواج”، وهو التشبيه الذي أثار انتقادات واسعة، قبل أن توضح وزارة الخارجية المصرية في بيان أن فهمي كان يشير إلى “عمق العلاقة الإستراتيجية بين الطرفين”.
الرجل وطريقته.. وإسرائيل
يتفق من عملوا مع فهمي على صورة متماسكة. فهو في وصف المصادر الدبلوماسية التي التقتها الجزيرة نت رجل “يجمع الخلفية الأكاديمية بالرؤية الإستراتيجية، مستمع جيد يسمع الآراء المختلفة ثم يتّخذ القرار”، لا يكترث بالتراتب الوظيفي فيأخذ بالرأي السديد “ولو جاء من سكرتير ثالث”. أما طريقته التفاوضية فيلخّصها مصدرٌ عمل معه في واشنطن بأنه “شخص غير تصادمي، متّزن للغاية. هدفه الرئيسي في أي نقاش العمل على الأرضية المشتركة، وتنحية نقاط الخلاف مؤقتاً، لكن لم يسبق أن شاهدته في أي جلسة تفاوضية خرج متنازلاً عن أمر، بالعكس، يبني على نقاط الاتفاق ويحيّد الخلاف حتى نصل إلى نتيجة”؛ ليس دبلوماسيا تقليديا يسرد نقاط الحديث وينصرف، بل يقدّم الموقف المصري بصورةٍ تجعلك تحترمه وإن لم تقتنع به.
من تلك الطينة حكايةٌ لمّاحة يرويها دبلوماسيٌّ زار واشنطن وهو شاب في عهد فهمي سفيرا، فسأله عن شعوره وهو في “أهم دولة في العالم لمصر”، فأجاب فهمي أن “أهم دولة في العالم لمصر هي السودان وليست أمريكا”. وهي الجملة التي تختصر فهمَه لمصالح بلاده وعلاقتها بالمنطقة والعالم أكثر مما تفعله حكايات طويلة.
“لا يمكن فصل نبيل فهمي عن الملف الإسرائيلي؛ فهو لم يدخله دبلوماسيا، بل وُلد فيه”
لا يمكن فصل نبيل فهمي عن الملف الإسرائيلي؛ فهو لم يدخله دبلوماسيا، بل وُلد فيه. لكنّ علاقته بإسرائيل ليست عداء نهائيا ولا قبولا غير مشروط. يتبنى فهمي المدرسة المصرية بتناقضاتها، فيها معاهدةٌ تُحترم بوصفها التزاما قانونيا وإستراتيجيا، وتطبيعٌ لا يُقدم إلا بوصفه ورقة ضغط سياسية. هذا “السلام البارد” هو التقليد الذي تربّى فيه فهمي وأتقن قواعده.
ويرى فهمي في مذكراته أن العوائد التي حققتها إسرائيل من معاهدة السلام كانت “ضخمة وإستراتيجية”، فقد أخرجت مصر من المعادلة العسكرية العربية وأنهت أيّ احتمالٍ حقيقي لحربٍ مستقبلية، فيما اعتبرتها إسرائيل اتفاقاً ثنائياً منبتّ الصلة بإطار السلام الشامل، فتحقّق لها الأمن من الجهة الغربية دون التزام بإنهاء احتلالها لبقية الأراضي العربية.
والحروب التي شنتها إسرائيل على غزة تحديداً تشكل خيطاً يلتفّ حول سيرته التفافاً كاملاً. في أول مؤتمر صحفي له وزيرا للخارجية رسم حدود المرحلة بالقول إن مصر ستتحدث مع “الطرف الفلسطيني المفاوض” أي السلطة الفلسطينية، أما حماس “فسوف نتصل بها لكن ذلك في سياق آخر”. كانت تلك لغة القاهرة وقتها، التي رأت في حماس امتدادا لخصمها الداخلي؛ وفي سنة ولايته للخارجية، دُمّرت الأنفاق وأُدير معبر رفح بمنطق يقدم الأمن القومي قبل الإغاثة الإنسانية. وحين غادر فهمي الوزارة في يونيو/حزيران 2014 لم تمضِ 3 أسابيع حتى انفجرت الحرب الكبرى على القطاع ذلك الصيف، فأدار خليفتُه وساطة القاهرة وهو بالكاد يتسلم مفاتيح مكتبه.
“بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول لم يذهب فهمي إلى إدانة الهجوم ولا إلى الاحتفاء به”
ومواقف فهمي من الحرب مسجّلة بصوته لمن أراد أن يعرف الرجل. بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول لم يذهب فهمي إلى إدانة الهجوم ولا إلى الاحتفاء به. فحين سُئل بعد أشهر إن كانت هذه “آخر حروب حماس”، أجاب أن الطرح نفسه “يفتقد جوهر المشكلة المرتبطة بوجود الاحتلال الذي يجب أن يزول”، وأن حماس “ليست أول ولن تكون آخر تيار فلسطيني يتصدى للاحتلال (…) وستستمر الحروب ما بقيت المشكلة”، رافضاً حصر القضية في ثنائية “حماس – إسرائيل” بدلا من “فلسطين – إسرائيل، ومستبعداً “تماماً” أي مشاركة عربية في ترتيبات أرادت واشنطن من مصر فيها أن “تلعب دور الشرطي لإسرائيل”.
وخلال الحرب دعا مبكراً إلى حكومة تكنوقراط فلسطينية تدير الضفة والقطاع معا، وهو الأمر الذي شجعته المقاومة الفلسطينية، وقدّر أن الحرب أضعفت التأييد الغربي لإسرائيل بشكل ملحوظ، وقال بعد وقف إطلاق النار إن ما جرى “لحظة فارقة بكل المقاييس” وإن الاتفاق “فرصة حقيقية” إن نُفّذ بدقة. أما حكمه على الطرف الإسرائيلي فكان أن “الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تريد السلام، ولن يكون هناك سلام لإسرائيل دون سلام مع الفلسطينيين”.

وفي مجالسه الخاصة كان فهمي يؤكد أن سقفه أعلى مما يسمح به الواقع. ينقل المصدر القريب من مكتب فهمي، أن الرجل يرفض فلسفة فرض الأمر الواقع بالقوة وتغليب قانون القوة على قوة القانون والتعامل غير الإنساني مع الفلسطيني، ويرى في خطاب “إسرائيل الكبرى” الذي يقتطع أجزاء من مصر والأردن ولبنان وسوريا والسعودية لصالح دولة الاحتلال خطابا استعماريا صريحا، ولا يرى حلا سوى الدولتين؛ فالدولة الواحدة قد تكون أمراً واقعا لكنها ليست سلاما، فهناك شعبٌ محتلٌّ ودولة احتلال.
ظل هذا الخطاب حبيس المجالس الخاصة حتى صعد الرجل منبر الجامعة العربية. ففي أول مؤتمر صحفي له أمينا عاما، في 13 يوليو/تموز 2026، قال أمام الإعلام العربي والدولي إنّ ما ترتكبه إسرائيل في غزة والضفة “جريمة إبادة جماعية مستمرة… تُرتكَب اليومَ على مرأى العالم: قتل المدنيّين؛ واستهداف المستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء؛ وفرض الحصار والتجويع؛ ودفع السكّان إلى النزوح القسريّ”. وتعهّد بأن موقف الجامعة “لن يقف عند حدود البيانات”، بل يمتدّ إلى “دعم الملاحقة القانونيّة لمرتكبي هذه الجرائم، وتفعيل أدوات الضغط السياسيّ والاقتصاديّ، وتحريك موقف عربيّ جماعيّ لا يكتفي بالشجب”، قبل أن يختم: “الإبادة لا تسقط بالتقادم، ومن يرتكبها اليومَ، سيقف غدا أمام العدالة”. ولم يقتصر على غزة، بل أدرج معها الاعتداءات في بيروت والجنوب اللبناني، واستمرار احتلال الجولان العربي السوري، بوصفها “نهجا واحدا يقوم على فرض الأمر الواقع بالقوة، ولن نمنحه شرعية أبدًا”.
“تعهد فهمي أن موقف الجامعة العربية لن يقف عند حدود البيانات، لكن تعهده يصطدم بحدود صلاحيات الجامعة نفسها
ويبقى السؤال الذي لا تجيب عنه البيانات مهما تشددت لغتها: ما الأدوات؟ فبين “الملاحقة القانونيّة” بوصفها تعهدا، وبينها بوصفها فعلا، تقف الجامعة التي لا تملك قرارا إلا بإجماع أعضائها، الذين لا يملكون موقفا موحدا حتى فيما يتعلق بإسرائيل نفسها. المثال على ذلك هو الاتفاقات الإبراهيمية، وهي موضوع آخر يتجلى فيه منهج فهمي بطريقة أخرى.
لم يرفض فهمي الاتفاقيات، بل وصفها -ببرودة المحلل وليس بحماسة المؤيد- بأنها “أكبر إنجاز” حققه ترامب في ولايته الأولى، إذ أقامت علاقاتٍ مباشرة بين دول عربية وإسرائيل. لكنه أعاد ربطها وآفاق توسيعها بشرط “إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية”، مذكّرًا بأن الموقف العربي “واضح منذ عام 2002″، وهو أن التطبيع مرهونٌ بالدولة الفلسطينية لا غير. هذه هي المناورة المعتادة لفهمي، فإذا كانت الاتفاقيات قائمة، فليكن ثمن توسيعها هو الدولة الفلسطينية، أي إعادة وصل ما فصلته الاتفاقيات نفسها حين حرّرت التطبيع من قيد القضية.
فماذا يستطيع أمين عام لجامعة الدول العربية أن يفعل بهذا كله؟ الإجابة الأكيدة أن فهمي لا يملك أن يوقف أي قرار تختاره دولة عربية ذات سيادة؛ فقرارات الجامعة مرهونة بإرادة الدول لا بشخص الأمين العام. لكنه يملك أوراقا يمكنه استخدامها. فبشكل براغماتي واضح، يملك فهمي أن يعيد للجامعة دورها التاريخي كحارس للربط بين تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتحقيق الحقوق الفلسطينية التي غابت عن النقاش، وهو الدور الذي أدته يوم كانت المبادرة العربية عام 2002 وثيقتها المرجعية، ويوم كانت المقاطعة أداتها الأهم. يمكن لفهمي بذلك أن يجعل من مقعده منبرا يعيد تثبيت المعادلة التي صاغها هو: لا توسيع لاتفاقيات التطبيع بلا دولة فلسطينية مستقلة.
واللافت أن تل أبيب نفسها تقرأ نبيل فهمي على النحو نفسه. فقد كتبت سمدار بيري، محرّرة الشؤون العربية في صحيفة “يديعوت أحرونوت” أنها تستطيع أن تشهد -بحكم لقاءاتها به- بأنه “رجل مثقف ولطيف، ومنفتح”، لكنّ التعامل معه “لن يكون سهلاً على إسرائيل”، وتلفت إلى أن فهمي عمل طوال مساره، وفي واشنطن خصوصا، على “التنسيق الإستراتيجي بين القاهرة والرياض”، وأن اسمه تردد في تقارير عن دفع قوة بحرية مصرية – سعودية مشتركة في البحر الأحمر.
ثم تُنهي عمودها بجملةٍ على لسان مقرب منه: كيف سيصوغ الأمين العام الجديد سياسة الجامعة تجاه إسرائيل؟ “يتوقف ذلك على مَن سيكون رئيس وزرائكم [الإسرائيلي]، وعلى مدى الانفتاح الإسرائيلي في الملف الفلسطيني. لا تنتظروا انقلابات؛ فالتغيير الكبير، ينبغي أن يأتي من الجانب الإسرائيلي”. حين يراك العدو عقبة مشروطة بانفتاحه هو، فتلك شهادة مهمة، لكنها تُبقي السؤال معلقا عن الصلاحيات التي يملكها الرجل فعلاً، وهو يرث جامعة بلا أدوات، وسياسة عربية لم تتخذ خطوةً حاسمة طوال حرب الإبادة على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
بيت عربي جامع بلا أدوات حاسمة
يصل فهمي إلى الجامعة العربية بتشخيصٍ واضحٍ لعلّة العرب، وهو أن “الاعتماد الزائد على الغير” هو المرجع الأساسي لتحديات المنطقة، في الأمن والغذاء والسلاح والتعليم، وأن الفارق بين الانعزال والاعتماد المفرط هو ما جعل أدواتٍ كثيرة غير كفؤة. وهو تشخيص سبق أن قاله فهمي حين اعتبر أن الاعتماد على أي طرف أكثر من اللازم “قرار غير سليم”، وأن سقوط بشار الأسد المفاجئ دليل قاطع على خطورة الاعتماد على الغير، وأن الدولة كي تكون فاعلا إقليميا يجب أن توفّر بنفسها ما لا يقلّ عن 30 في المئة من مكوّنات قرارها.
هذه الفكرة يفصلها فهمي، بحسب المصدر القريب من مكتبه، ضمن معادلة لضمان الحفاظ على استقلالية القرار السيادي للدول، فيكون ثلث القرار السيادي من قدرات ذاتية، وثلثٌ من العلاقات الإقليمية، وثلثٌ من العلاقات الدولية، وهامشٌ يتحرّك بحسب حال الدولة في تنويع يتيح لها أن تأخذ موقفها دون الرضوخ لضغطٍ واحد.
“يشير فهمي إلى 3 وفرات عربية مهمة: الطاقة، والموقع الجغرافي في قلب التجارة العالمية، والأهم الكتلة الديمغرافية الهائلة والمميزة”
في المقابل يشير المصدر إلى 3 وفرات عربية مهمة في نظره: الطاقة، والموقع الجغرافي في قلب التجارة العالمية، والأهمّ الكتلة الديمغرافية الهائلة والمميزة، إذ إن نحو 65 في المئة من العرب دون الثلاثين، ما يخلق طاقةً هائلة إن أُحسن تعليمها في مقابل شيخوخة مجتمعات دول متقدمة كبرى. ومن هنا يمكن تلخيص برنامجه في 3 محاور متوازية: التحديات والتطوير والبناء، يريد بها أن ينتقل العمل العربي من موقع المفعول به إلى موقع الفاعل، وأن يصبح العائد من الاستثمار العربي في الدول العربية أعلى من نظيره الأجنبي، فيتحوّل التعاون إلى مصلحة ملموسة مبنية على خطوات عملية لا خطاب جماهيري أو شعبوي عاطفي.
غير أن هذه الرؤية، مهما اتسقت، تصطدم بالقيد الذي أشرنا إليه سابقا، ويذكره السفير أحمدين مجددا، وهو أن قرارات الجامعة “ليست مرهونة بالأمين العام ولا بإرادته ولا بشخصيته؛ بل مرهونة بإرادة الدول العربية، والجامعة بالذات تُتَّخذ قراراتها بالإجماع لا بالتصويت”. أي إن أكثر ما يملكه فهمي هو أن يزرع، وأن يُقنع الأطراف العربية المختلفة مستخدما دبلوماسيته وخبرته الطويلة، لا أن يحصد النتيجة بسرعة.
ويصطدم هذا كله بالقضية التي قامت الجامعة على أساسها. فرؤية فهمي للقضية الفلسطينية، بحسب المصدر، لا ترى حلا سوى الدولتين. لكنّ فهمي سيكون عليه أن يواجه قيادة عربية منقسمة ومواقف غير موحدة، فالموقف الضعيف الذي وَرِثه ليس عارضا طارئا، بل هو تعبيرٌ عن المأزق الذي جاء ليواجهه، أو ليتعامل معه إن صح التعبير.
في 1 يوليو/تموز 2026، تسلّم نبيل فهمي مهامه رسمياً بمقر الأمانة العامة في القاهرة، في مراسم تسليمٍ وتسلّم من سلفه أبو الغيط. عاد وريث “جيل 242” إلى بيت العرب في اللحظة التي انفرط فيها عقد ذلك الجيل وما بناه حول النظام العربي المشترك، وعملية السلام، ومكانة القانون الدولي نفسها.
“سلطات الاحتلال الإسرائيلي رفضت السماح لفهمي بزيارة رام الله التي اختارها وجهة أولى بعد تسلمه منصبه”
قبل أن يجف حبر مراسم التسليم، جاء أول اختبار عملي. فبعد أسبوع واحد من تسلمه المنصب، اختار فهمي أن تكون الأراضي الفلسطينية المحتلة وجهته الخارجية الأولى قاصدا رام الله للقاء الرئيس محمود عباس، تأكيداً على “مركزية القضية الفلسطينية”. لكنّ قانون القوة الإسرائيلي كان له رأي آخر، ففي 8 يوليو/تموز 2026 أبلغت السلطة الفلسطينية الأمانة العامة أن سلطات الاحتلال رفضت السماح بالزيارة. في مشهد واحد تكثّفت مفارقة الرجل كلها، لدينا أمينٌ عام للجامعة العربية أراد أن يبدأ عهده من حيث يجب أن يبدأ، فاصطدم عند أول خطوة بقوة احتلال غاشمة لا تمكّنه حتى من أن يطأ الأرض العربية التي يمثلها وجاء ليدافع عن أهلها. زيارةٌ لم تتمّ، لكنها قالت عن أولوياته وعن حدود منصبه والعوائق التي سيقابلها أكثر مما كانت ستقوله لو تمّت.
البرنامج من فوق المنبر
بعد أيام قليلة من الزيارة الممنوعة، وقف فهمي في مقر الجامعة بالقاهرة ليعقد أول مؤتمر صحفي له أمينا عاما، في 13 يوليو/تموز 2026. افتتحه بتعزية لدولة قطر في وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ثم قدم ما يشبه بيان التنصيب.
التنصيب.

كان أوّل ما تعهّد به مختلفا عن عادته كرجل أمضى نصف قرن في الغرف المغلقة، فقال إنه سيضمن وجود “تواصل منتظم مع الإعلام، يقوم على الوضوح والشفافية؛ فحقُّ الرأي العام العربيّ في المعرفة، ركيزةٌ لثقته في مؤسّساته”. ثم شخص اللحظة بقوله إن “قواعدَ القانون الدولي تتعرّض لاختبارات قاسية، ومبادئ السيادة وحماية المدنيّين تتراجع أمام أعيُننا، والنظام الدولي يُعاد ترتيبه”، وإن الرد لا يكون بالوقوف متفرجا، بل بـ”عمل عربي يقظ ومُبادر، يحمي المصالح العربيّة، ولا يترك أزمات وخيرات المنطقة لغير أبنائها”.
وهنا تحوّل التشخيص الذي ظلّ يردّده نبيل فهمي في مجالسه إلى منهج مُعلن: “معالجةُ قضايانا تبدأ من إرادة عربية. وما نتوافق عليه بإرادتنا، هو وحده أساس الاستدامة”، مع جعل “المبادرة والقراءة المبكرة للأزمات في صميم عملنا؛ لأنّ التحرّك قبل تفاقمها أقلُّ كلفةً، وأجدى من إدارة تداعياتها”.
طرح فهمي 3 آليات لعمله: آلية للإنذار المبكّر توصف بأنها “عين عربيّة ترصد الأزمات قبل وقوعها”، وخليّة لإدارة الأزمات تتحرّك ساعة وقوعها، ومجلس للحكماء من قامات العرب “يسند القرار بخبرةٍ وحكمة”. كما تحدث فهمي عن تصميم دبلوماسية أكثر استباقية تعتمد على مبعوثين خواص لمناطق التوتر والنزاع؛ ووعد بإعادة هيكلة للأمانة العامة قوامها “اختصاصٌ أوضح؛ وإنجازٌ أسرع؛ ومسؤولية تقابلها محاسبة”، كما طالب الدول العربية صراحة بتوفير موارد كافية للجامعة؛ والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا بشكل يضع الشباب والمرأة في المقدمة، ثم قال إن الجامعة العربية ستسعى للانفتاح على المفكّرين ورواد الأعمال وأبناء المهجر.
بجانب تركيزه على الانتهاكات الإسرائيلية، جعل فهمي في مؤتمره الأول احترام سيادة الدول العربية “خطاً أحمر”، وسمّى الاعتداءات الإيرانية بوصفها من أخطر ما يهدده اليوم، معددا 8 دول طالتها تلك الاعتداءات هي قطر والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وعُمان والأردن والعراق، وهي القائمة نفسها التي انعقدت من أجلها الدورة التي رُشح فيها قبل 4 أشهر، ثم أضاف: “ما يمسّ أمنَ أيِ دولة عربيّة، يمسّ أمن العالم العربي أجمع”.
يقول المقرب من مكتب فهمي إن من يظنّ أن الأمور ستتغير في لحظةٍ مخطئ، وإن فهمي يكرّر لمهنّئيه أنه إن “زرع البذرة الصحيحة، فستحصل النتيجة بعد رحيله من المنصب”، وأن “النجاح صعب، لكنه يضمن الإخفاق إذا لم يجتهد”. لكنّ المفارقة التي بدأ بها المقال تظلّ معلّقة فوق كل بذرة: الرجل الذي يقول إنه كرس حياته كي تعلو قوة القانون فوق قانون القوة، يتسلّم مؤسسة بلا قوةٍ ولا قانونٍ نافذ، في زمن لم يعد يسمع إلا لغة القوة وحدها.
syriahomenews أخبار سورية الوطن
