آخر الأخبار
الرئيسية » تربية وتعليم وإعلام » حين يصبح التجاهل جواباً: لماذا تصمت وزارة التربية أمام معلمي العقود المعتصمين على بابها؟

حين يصبح التجاهل جواباً: لماذا تصمت وزارة التربية أمام معلمي العقود المعتصمين على بابها؟

متابعة: هيثم يحيى محمد

 

 

 

للأسبوع الثاني على التوالي، يواصل العشرات من المعلمين المعيّنين بموجب نظام العقود اعتصامهم أمام مبنى وزارة التربية والتعليم في دمشق، متحدثين باسم آلاف الزملاء الذين لم تُجدَّد عقودهم، فيما حالت الظروف المادية والمعيشية دون قدرة كثيرين على المشاركة.

لكن القضية هنا لا تتعلق فقط بقرار التجديد من عدمه، وإنما بطريقة تعامل الوزارة مع أصحاب المطالب، وبسؤال أوسع يتعلق بالشفافية وآليات اتخاذ القرار داخل المؤسسة التربوية.

فبحسب تأكيد المعتصمين، لم يبادر أي مسؤول في الوزارة حتى الآن إلى مقابلتهم أو الاستماع إليهم، رغم استمرار اعتصامهم لأسبوع ثانٍ أمام مبنى الوزارة.

وفي شكوى وصلت إلينا من مجموعة من المعلمين المتعاقدين من مختلف المحافظات، بعقود مباشرة وبعقود المسابقة لعام 2021، قال أصحابها إنهم توجهوا إلى وزارة التربية للمطالبة بحقوقهم منذ نحو أسبوع، وراجعوا الوزارة ثلاث مرات، ووقفوا أمام مبناها ساعات طويلة، مطالبين بلقاء وزير التربية والاستماع إلى مطالبهم، إلا أنهم، بحسب قولهم، لم يتمكنوا من مقابلته.

وأضافوا أن باب الوزارة أُغلق في وجههم خلال المرتين السابقتين، معتبرين أن ما جرى معهم لا يليق بمعلمين «وبناة أجيال» أمضوا سنوات طويلة في مهنة التعليم.

ويقول المعلمون، في الشكوى، إنهم فوجئوا بعدم تجديد عقودهم لأسباب يرون أنها غير واضحة وغير منطقية، موضحين أن الوزارة استندت، بحسب ما فهموه، إلى أن قسمًا منهم لم يخضع لمسابقة، بينما لم يُذكر سبب واضح لعدم تجديد عقود آخرين.

ويضيف أصحاب الشكوى أنهم استفسروا من بعض رجال القانون، ومن بينهم من يعملون في المحكمة الإدارية، حول ما وصفوه بـ«مسابقة العقود»، وأنهم تلقوا إجابات تفيد، بحسب قولهم، بعدم وجود نص قانوني واضح بهذا الاسم، معتبرين أن ذلك يثير تساؤلات حول الأساس القانوني والإداري الذي تستند إليه الوزارة في التعامل مع فئات المتعاقدين.

وهنا يحق لنا أن نسأل: هل أصبح الاستماع إلى المعلمين يحتاج إلى اعتصام أمام أبواب الوزارة؟

ليست قضية عقود فقط

المشكلة، في جوهرها، قد تكون أكبر من ملف تجديد عقود المعلمين.

فغياب المعايير المعلنة، أو عدم وضوحها بالنسبة إلى أصحاب الشأن، يفتح الباب أمام أزمة ثقة بين الموظف والمؤسسة التي يعمل فيها. والمعلمون ليسوا الفئة الوحيدة التي تحتاج إلى معرفة الأسس التي تُبنى عليها القرارات المتعلقة بالتعيين أو النقل أو الترفيع أو التجديد؛ إذ إن وضوح المعايير في المؤسسات العامة يشكل أساساً للعدالة الإدارية ويحد من الشائعات والتأويلات والاتهامات بالمحاباة.

ومن هنا يصبح السؤال الأهم: هل المشكلة في قرار عدم تجديد العقود فقط، أم في منهجية اتخاذ القرار وإعلانه وشرحه للمعنيين به؟

فالمعيار الواضح والمعلن يحمي المعلم ويحمي الوزارة في الوقت نفسه. وعندما يعرف كل متعاقد الشروط التي تحدد تجديد عقده أو عدمه، تصبح مساحة الجدل أضيق، ويصبح القرار قابلاً للفهم والمناقشة والطعن وفق الأصول، بدلاً من أن يتحول إلى مصدر للإشاعات وفقدان الثقة.

وزارة التربية… ورسالة الحوار

وزارة التربية ليست مؤسسة عادية؛ فهي المؤسسة التي يفترض أن تربي الأجيال على الحوار والاحترام والعدالة وقبول الرأي الآخر.

وعندما يشعر معلمون بأن أبواب مؤسستهم مغلقة أمامهم، فإن المسألة تتجاوز الخلاف حول عقد أو قرار إداري إلى صورة المؤسسة نفسها أمام المجتمع.

فكيف يمكن أن نعلّم الطالب أن الحوار هو الطريق لحل الخلافات، بينما يرى المعلم أن المطالبة بحقه لا تقابَل بالحوار؟

إن الاستماع إلى صاحب المطالبة لا يعني الموافقة على مطالبه، كما أن فتح باب الحوار لا يعني التراجع عن قرار اتخذته الوزارة. بل على العكس، فإن المؤسسة الواثقة من قراراتها تكون أكثر قدرة على شرحها والدفاع عنها.

كان بإمكان الوزارة استقبال ممثلين عن المعتصمين، والاستماع إلى مطالبهم، وشرح ما يمكن تحقيقه وما يتعذر تحقيقه، ووضعهم بصورة الأسس القانونية والإدارية التي تحكم قراراتها.

المعلمون لا يطلبون بالضرورة أن تقول لهم الوزارة «نعم» لكل مطالبهم، وإنما يطلبون أن تقول لهم بوضوح: لماذا «لا»؟

ماذا عن الخبرة التي ستخسرها العملية التعليمية؟

هناك جانب آخر لا ينبغي تجاهله.

فعدم تجديد عقود آلاف المعلمين الذين أمضوا سنوات في المدارس يعني، في حال صحة هذه الأرقام، خسارة جزء من الخبرات التي راكمتها العملية التعليمية خلال سنوات.

فالمعلم لا يكتسب خبرته من الشهادة وحدها؛ بل من التعامل اليومي مع الطلاب، ومعرفة المناهج، وإدارة الصف، والتعامل مع المشكلات التربوية والاجتماعية، والتراكم العملي الذي يحتاج المعلم الجديد إلى سنوات لاكتسابه.

ومن هنا يبرز سؤال عملي أمام الوزارة:

هل تستطيع العملية التعليمية الاستغناء عن هذه الخبرات بسهولة؟ وما تكلفة ذلك على جودة التعليم، وعلى المدارس والطلاب والأهالي؟

إن القضية، بالتالي، لا تتعلق فقط بمستقبل المعلم الوظيفي والمعيشي، وإنما يمكن أن تمتد آثارها إلى استقرار العملية التعليمية نفسها، خصوصاً إذا أدى عدم التجديد إلى نقص في الكوادر أو زيادة أعداد الطلاب في الصفوف أو اضطراب توزيع الحصص.

وهنا يصبح الطالب والأهل طرفاً غير مباشر في القضية، لأن أي نقص في الكادر التدريسي سينعكس في النهاية على المدرسة والعملية التعليمية.

أين دور نقابة المعلمين؟

وهناك سؤال آخر مشروع يطرح نفسه:

أين دور نقابة المعلمين في هذه القضية؟

هل تواصلت مع المعتصمين؟ هل استمعت إلى مطالبهم؟ هل حاولت أن تلعب دور الوسيط بين الوزارة والمعلمين؟ وهل تعمل على نقل مطالبهم إلى الجهات المعنية والدفاع عنها ضمن الأطر القانونية والنقابية؟

وجود جهة تمثل المعلمين وتتولى التواصل مع الوزارة يمكن أن يخفف كثيراً من الاحتقان، ويحول المطالب من وقفات أمام أبواب المؤسسات إلى حوار مؤسسي منظم.

أما غياب هذا الدور، أو عدم وضوحه بالنسبة إلى المعلمين، فيفتح بدوره باباً للأسئلة حول فعالية التمثيل النقابي وقدرته على أداء وظيفته في مثل هذه الأزمات.

هل هناك طريق آخر غير الاعتصام؟

من الطبيعي في أي مؤسسة حديثة أن تكون هناك آلية واضحة للتظلم من القرارات الإدارية، يستطيع من يشعر بالغبن من خلالها تقديم اعتراضه، ومعرفة الجهة التي تنظر فيه، والمدة المحددة للرد، والطرق القانونية المتاحة له بعد ذلك.

فإذا كانت قنوات التظلم واضحة وفعالة، لا يضطر الموظف إلى الوقوف أمام باب المؤسسة التي يعمل لديها حتى يسمعه أحد.

أما عندما يشعر أصحاب المطالب بأن الطرق الإدارية لا توصل صوتهم، فقد تنتقل المطالب من المكاتب إلى الشارع، وتتحول القضية من ملف إداري إلى أزمة احتجاجية.

وهنا تصبح الحاجة إلى آلية تظلم واضحة وفعالة جزءاً من الحل، لا مجرد إجراء شكلي.

كما أن استمرار الغموض حول الأساس القانوني لقرارات عدم التجديد قد يدفع بعض المتضررين، بطبيعة الحال، إلى اللجوء للقضاء الإداري وطلب مراجعة القرارات وفق الأصول القانونية.

وهذا حق قانوني للمتضرر، لكنه في الوقت نفسه يعني أن أزمة كان يمكن أن تُحل بالحوار والتوضيح قد تتحول إلى نزاع قضائي طويل.

الشفافية تحمي الوزارة قبل أن تحمي المعلم

قد تكون لدى الوزارة أسباب إدارية أو قانونية أو مالية لرفض مطالب المعلمين، وهذا حقها. وقد تكون لديها أيضاً تفسيرات تتعلق بآلية التعاقد والمسابقات وشروط التجديد.

لكن عدم التجديد شيء، وتجاهل أصحاب القضية شيء آخر تماماً.

إذا كانت هناك شروط أو معايير أو مسابقة أو مفاضلة تحكم التجديد، فلماذا لا تُعلن بصورة واضحة؟

إن نشر المعايير ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة لحماية الجميع. فالمعايير المعلنة تمنح كل معلم فرصة لمعرفة موقعه بدقة، وتحد من الشائعات، وتقلل من احتمالات المحسوبيات، كما تحمي الوزارة نفسها من الاتهامات؛ لأنها تصبح جهة تعمل وفق قواعد معلنة يمكن للجميع الاطلاع عليها.

أما إبقاء المعايير في «الملفات الداخلية»، ثم مطالبة المعلم بتقبل نتائجها دون شرح، فلا يساعد على بناء الثقة.

المعلم ليس رقماً في ملف

المعلمون الذين يقفون اليوم أمام وزارة التربية ليسوا مجرد أرقام في جداول العقود.

إنهم أشخاص أمضوا سنوات في المدارس، واكتسبوا خبرة وخدمة، وبنوا حياتهم على أساس عملهم في التعليم، ثم وجد بعضهم نفسه أمام مستقبل وظيفي غامض.

والأثر هنا ليس مادياً فقط.

فحين يشعر المعلم بأن المؤسسة التي خدمها لسنوات لا تستمع إليه، فإن ذلك يمكن أن يولد الإحباط وفقدان الثقة والشعور بعدم التقدير، وهي آثار لا تتوقف عند المعلم نفسه، بل يمكن أن تنعكس على علاقته بمهنته وعلى استقرار البيئة التعليمية.

يا وزارة التربية… افتحي باب الحوار

لا أحد يطلب من الوزارة أن تتنازل عن صلاحياتها، ولا أن توافق على كل ما يطالب به المعتصمون.

المطلوب أبسط من ذلك وأكثر أهمية:

استقبليهم، اسمعيهم، ثم قولي ما لديك.

إذا كانت العقود لن تُجدَّد، فليُشرح للمعلمين لماذا. وإذا كانت هناك شروط أو معايير تحكم التجديد، فلتُعلن. وإذا كان هناك مسار قانوني للاعتراض، فليُوضح لهم. وإذا كانت هناك أخطاء أو حالات تستحق المراجعة، فلتُراجع.

فالوزارة القوية ليست التي تتجاهل من يختلف معها، بل التي تستطيع أن تحاوره وتشرح قراراتها أمامه بثقة ووضوح.

والحوار ليس مجرد إجراء إداري عابر؛ إنه ثقافة يجب أن تُبنى داخل المؤسسات، ووزارة التربية، بحكم رسالتها، يفترض أن تكون من أكثر المؤسسات قدرة على ترسيخ هذه الثقافة.

أما أن يبقى المعلمون أمام باب الوزارة، فيما يبقى باب الحوار مغلقاً، فذلك لا يضعف مطالبهم وحدها… بل يضعف أيضاً حجة الوزارة نفسها.

والكرة الآن في ملعب وزارة التربية: هل تفتح بابها للمعلمين وتستمع إلى شكواهم، وتوضح معاييرها وقراراتها، أم يبقى التجاهل هو الجواب؟

 

 

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزير التعليم العالي: ندرس مطالب الطلبة بشأن الترفع الإداري والدورة التكميلية وفق المعطيات الأكاديمية

  قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور مروان الحلبي في منشور على صفحته منذ قليل:عطفاً على التصريح السابق، وبناءً على مطالب أبنائنا الطلبة بشأن ...